مايو 11 2012

حكاية صورة غير مهمة

صورة الإعلان بعد أن غطته الشركة بإعلان بديل ولون مختلف

كثيرون مروا هذا الصباح بجانب هذه اللوحة ولم يعيروها اهتمامهم، فهي مجرد إعلان ضمن عشرات الإعلانات يمرون عليها في بريطانيا صباحاً ومساءً. من يعرف الألوان التي تكون هوية (سانزبري) سلسلة المتاجر الغذائية الشهيرة، قد يتوقف قليلاً. من يعرف قصة هذا اللون سيتوقف ملياً. كنت أحد أولئك الذين استرعى هذا التغيير انتباههم، خصوصاً حينما لاحظت في الصورة أن هذا اللون يغطي إعلاناً سابقاً كما توضحها يد صديقي في الصورة. هذا التغيير السريع من سلسلة متاجر بريطانية ضخمة يوحي أن ثمة شيئاً ما خلف هذا اللون “الغريب” على سانزبري.

بدأت القصة حينما دشنت سانزبري حملة إعلانية ضخمة رصدت لها مبلغ ١٠ ملايين جنيه استرليني (٦٠ مليون ريال) تقريباً. تحت عنوان “feed your family for £50″ تقول سانزبري إن بإمكان أي رب أسرة أن يدفع فقط ٥٠ جنيه أسبوعياً ليقدم وجبات غذاء متكاملة صحياً لأسرة مكونة من ٤ أشخاص، حينما يشتري من منتجاتها وفق طريقة معدة سلفاً. حققت هذه الحملة نجاحاً واسعاً داخل الأسر البريطانية خصوصاً أنها جاءت في وقت تعاني فيه بريطانيا من أزمة اقتصادية خانقة، وحازت هذه الحملة الإعلانية على الجائزة الذهبية من IPA Effectiveness Awards باعتبارها فكرة ابتكارية ذكية في الإعلان والتسويق.

نجاح سانزبري في حملتها لم يستمر طويلاً. قدم سبعة ناشطين شكاوى متعددة إلى إدارة معايير الإعلانات البريطانية ASA، يقولون فيها إن إعلان شركة سانزبري غير دقيق؛ إذ لا يقدم سعرات حرارية كافية للأطفال بحسب مقاييس وزارة الصحة البريطانية. ردت سانزبري بالقول إن إعلانها يقدم ٧٥٪ من السعرات الحرارية المطلوبة، فيما يفترض أن تأتي ٢٥٪ الباقية من الوجبات الخفيفة بين الوجبات الرئيسة. المشتكون ردوا بأن وزارة الصحة تقول إن ٨٠٪ من السعرات الحرارية يجب أن تأتي من الوجبات الرئيسة و٢٠٪ من الوجبات الخفيفة. وهنا يتبين أن اعتراض المعارضين حول نسبة ٥٪ من السعرات الحرارية، ويرون أن هذا مبرر كافٍ لاعتبار إعلان سانزبري مخادع وغير دقيق ويجب سحبه. برنامج Watchdog الذي يعرض على قناة بي بي سي الأولى، قام بحملة أيضاً يشرح فيها خداع سانزبري في موضوع عدد السعرات الحرارية ونسبة ٥٪ المختلف فيها.

أحد الإعلانات التي أثارت المشكلة

قرار إدارة معايير الإعلانات البريطانية جاء موافقاً لرأي المشتكين، أكدت الإدارة أن إعلان سانزبري كان مضللاً وغير دقيق. على الرغم أنها تفهمت اختلاف حاجات الناس، إلا أنها رأت أن بعضهم قد يضطر إلى شراء مكونات إضافية لتكملة النقص الحاصل، وهذا يعني عدم دقة إعلان سانزبري وتضليله للمستهلك. وطالبت الإدارة سانزبري بسحب جميع إعلاناتها، وعدم إعادة الحملة قبل التأكد من دقة الإعلان فيما يتعلق بالسعرات الحرارية.

يبدو أن قرار إدارة الإعلان كان مبالغاً فيه، خصوصاً إذا علمنا أن نسبة السعرات الحرارية والسعرات الحرارية نفسها غير دقيقة، والاختلاف في نسبة ٥٪ اختلاف قد لايدعو إلى منع إعلان بحجة خداع المستهلك أو تضليله. لكن وجود سلطة مختصة في مراقبة المعلن أمر لاغنى عنه في فضاء مفتوح. في العالم الرأسمالي لا يردع التاجر شيء سوى قانون قوي، لأن همه المال وقد لايعنيه مايخلفه البحث عن المال بطريقة غير مشروعة.

ليست بريطانيا استثناءً في الرقابة على الإعلانات فهناك دول عديدة تمتلك أجهزة إدارية تراقب الإعلان أياً كان مكانه، طالما كان داخلا ضمن تعريف الإعلان. أستراليا وأمريكا تعدان من الدول النشطة في هذا المجال. ليس من المستغرب أن صلاحيات هذه الإدارات تشمل إعلانات الانترنت، ولكل وسيلة إعلانية قواعدها المنظمة التي يقاضى من يخالفها. بإمكان أي شخص التقدم بشكوى ضد أي إعلان يراه، وتتابع هذه الإدارات تلك المخالفة وتتواصل مع المعلن بشأنها. الغريب أن بعض هذه الإدارات في تلك الدول ليست حكومية ولا تملك قرارات ملزمة، كل ماتملكه فقط وثيقة شرف تنظم العملية الإعلانية، ويمكنها رفع قضايا أمام محاكم الدولة باستخدام قوانين الدولة نفسها.

في المقابل، أشاهد بين الفينة والأخرى إعلانات تجارية على قناة MBC التلفزيونية، وجريدة الرياض السعودية أستغرب كثيراً من صفاقة المعلن، كما أستغرب من قلة وعي الوسيلة أو تجاهلها مضمون الإعلان والسماح لهذه الإعلانات بأن تعبر إلى المشاهد. يعتقد بعض القائمين على الوسائل الإعلامية أن الإعلان شيء خارج عن سيطرة القائم بالاتصال، وأن مهمة القائم بالاتصال تنحصر في الاعتناء بالمادة التحريرية فقط، أما الإعلان فمسؤولية المعلن وحده. هذا الهروب من التحكم في المعلن يعود في المقام الأول إلى خوف القائم بالاتصال من سطوة المعلن، وأن أي تدخل من صاحب الوسيلة في محتوى الإعلان هو قرار ضمني بطرد المعلن. من المسلم به أن القائم بالاتصال ليس بحاجة إلى أن يكون ملماً بكافة المعلومات وأن يجري أبحاثه على كل إعلان للتأكد من صلاحيته، لكن عليه أن يقوم بالحد الأدنى من الرقابة. هذه الرقابة ينبغي أن لاتكون الوحيدة على الإعلان، النقابات والجمعيات المتخصصة أو الحكومات، يجب أن تبادر إلى إنشاء هيئات مستقلة للرقابة على الإعلان لصالح المستهلك.

معلومات عامة عن شركة سانزبري:

* تمتلك أكثر من ١٠٠٠ فرع حول بريطانيا.

* يتجاوز عدد موظفيها ١٥٠ ألف موظف.

* صافي الدخل لعام ٢٠١١ قرابة ٦٤٠ مليون جنيه استرليني.

مراجع حول الموضوع:

تقرير جريدة الجارديان

Brand Republic

معلومات عن سانزبري من ويكيبديا


أبريل 15 2012

الفن ناقص ضلع

أربعة أشهر مرت على طرح فيلم The Artist في دور السينما. حتى أيام العرض الأخيرة،لاتزال الصالات تعج بالمشاهدين. بهدوء نال خمسة جوائز أوسكار، رغم أنه بالأبيض والأسود عام ٢٠١١ ودون صوت أيضاً!  كنت أعرف قبل مشاهدته أنه دون صوت، لكنني لم أستوعب ذلك إلا بعد أن علق صديقي قائلا رغم أن مدة الفيلم كانت ١٠٠ دقيقة إلا أنني نسيت أنه دون صوت بعد أن تاه في تفاصيل هذا العمل. بعدها تذكرت أنه بالأبيض والأسود أيضاً.

كيف لفيلم يصدر في عام ٢٠١١ بالأبيض والأسود، ودون صوت، أن يفوز بخمس جوائز وملايين المشاهدين، رغم عشرات الأفلام التي تجاوزت الأفلام الملونة إلى الأفلام بالبعد الثالث والبعد الرابع أيضا؟

أعتبر أن الفن والإعلام يندرجان تحت مظلة الإبداع الذي لايوجد أطر تحدده ولا لون يصبغه. حينما يريد أحدهم أن يبدع فإنه ليس بحاجة إلى استكمال أدوات محددة لفعله الإبداعي، هو بحاجة فقط إلى التعبير الذي سيجد طريقه إلى قلوب الناس وعقولهم بالوسيلة المتاحة أيا كانت. في فضاء الانترنت يمكنك الاطلاع على تجارب فنية مدهشة اعتمدت على أدوات بدائية أو دون أدوات أيضا، لكنها شكلت عملا لايمكن لمشاهده إلا التصفيق له. يرسم أحدهم بالرمل، وإحداهن بالماء، وثالث يشكل يديه على هيئات طيور وحيوانات. ويعزف أحدهم بفمه فقط، وآخر يصنع من النفايات عملا فنيا ينافس به في كل محفل.

انعدام الأدوات، والعجز عن استخدامها في بعض الأحيان، أو اختيار الاستغناء عنها في الأعمال الإبداعية لايعني تقديم عمل فني ضعيف لانعدام الأدوات. حينما حرم الإسلام رسم ذوات الأرواح ونحت التماثيل، لم يكن ذلك التحريم نهاية الفن أو أفول نجم الإبداع. لقد ابتكر المسلمون فنون عديدة للتعبير عن إبداعهم ومكنوناتهم بطرق مختلفة. لايزال النقاد مختلفين في ماهية الزخرفة الإسلامية. ولاتزال لوحات الخط العربي وانحناءاته الساحرة فنا ملهما للمبدعين ومثيرا لعشرات الأسئلة وعشرات النظريات في فلسفته وتعبيره. ماتبقى من فنون العمارة الإسلامية شاهد على أن رغبة الإبداع لايحدها حد ولايمنعها قيد من أن تصل إلى متذوق متلهف وهاو مستكشف.

يعتمد الخط العربي على العين وسيلة لجذب المتلقي. حين تقع عين المشاهد على لوحة خطية بديعة، فإنها تملك إحساسه كاملا وليس عينه فقط، تسحره اللوحة فينسل إلى عالمها منهمكا في دقائقها، رغم أن لاصوت يخرج منها، لكنه الإحساس بكمال الفن وإبداع الفنان. فاللوحة الخطية كما يقول المتنبي: تملأ مسمعي من أبصرا. أو كقول ابن الخشاب البغدادي : تناجيك بالأسرار أسرار وجهه… فتسمعها بالعين مادمت تبصر.

في الشعر العربي قال بشار بن برد بيته الشهير

كأن مثار النقع فوق رؤسنا .. وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه

من يصدق أن مبدع هذا التشبيه الساحر شخص أعمى، لكن عماه لم يمنعه من هذه التشبيهات المدهشة، ولم يثنه عن الإبداع الشعري طوال حياته.الأمر ذاته يجري على بيتهوفن، ذلك الموسيقي الألماني الذي فقد سمعه في أوج نشاطه الفني، لكنه لم يغير من حسه الفني شيئاً. يتحدث النقاد دائماً السيمفونية الخامسة والتاسعة التي أنتجها بيتهوفن بعد صممه، كانتا أجمل ما ألف من سيمفونيات.

لطالما أثير في الإعلام جدل المسموح والممنوع والرقابة والإبداع. يتحدثون بأن الرقابة قد تقتل الإبداع وتحده. غير أن آخرين يعتقدون أنها جاءت بأدوات فنية جديدة مثل الرمز والتورية اللتان تعدان قيمة فنية عالية.

في عالم الإخراج الصحفي، يحدث أن ترى صحيفة لاتستطيع أن تكمل صفحتها الأولى لبؤس إخراجها وتنافر ألوانها، غير أن مايسحرك فعلاً، حين تتصفح جريدة اختار مخرجها أن يستغني عن بعض الأدوات طمعا في مظهر معين يشد القارئ بدلا من أن ينفره. ففي الوقت الذي يحشد المخرجون أدوات الفنية لجذب القارئ، يسعى آخرون لتحييدها طمعا في جذب القارئ بطريقة أخرى. في فترات سابقة كنت أحرص على جمع أعداد مختلفة من صحف العالم، محاولا التعرف على أنماط الإخراج وتفكير المخرجين. كان عالما بديعا حقا. لا أستطيع تذكر الأسماء الآن، لكني أتذكر أمثلة لاتزال تدهشني حين أفكر فيها. إحدى الصحف الفرنسية حسب ما أذكر أبى مخرجها إلا أن تكون كل الصور الواردة في الجريدة صورا طولية، ولامجال لغيرها. في حين اختار مخرج صحيفة أخرى أن يستعيض عن الصور في الجريدة بالرسوم فقط، لدرجة أنه ألزم المعلنين بذلك، وأقروا له مذعنين لشهرة الجريدة. الإبداعات الفنية التي خرجت بسبب القيود ونقص الأدوات، هي مايجعل الفن متجددا أخاذا. الفنان الذي يتعلل بالأدوات لربما ليس فنانا حقا، بل هو مؤد لا اكثر. في السعودية يسحرك رصف الأحجار في بيوت جنوب الجزيرة العربية،وتدهش للمسات الألوان التي تزين بعض جدرانها العتيقة. أما البناؤون في نجد فلم يتعللوا بنقص الأحجار لإبداع طرازهم المعماري. جاءت بيوت الطين لوحة بصرية ماتعة، يجللها الشرف الذي يعلو جدرانها، والجبس الذي يكحل نوافذها. كانت البيئة المحلية هي مصدر الأدوات وكانت النتيجة هذا الجمال.

إن تعليل ضعف الإبداع أو انعدامه بقلة الأدوات أو الرقابة، تعليل غير مقنع. سير المؤلفين والرسامين والخطاطين والأدباء كانت شاهداً على أن الإبداع لايحده إطار ولايمنعه رقيب، بل قد تكون سلمات في درجات الرقي الفني، كما تحدثنا أعمال المبدعين الباقية.


يناير 21 2012

العرائض الالكترونية… استخدامات ونماذج

رغم أخبار القتل والكساد الاقتصادي التي تغلف نشرات الأخبار بغلافها المميز، إلا أن خبراً بنكهة مختلفة شق طريقه بين ركام الحوادث ليصعد إلى العناوين الأولى في نشرات الأخبار. مشروع القرار الذي قدم للكونجرس الأمريكي تحت مسمى (SOPA) أزعج الكثير. بطبيعة الحال، فإن وقوف شركات عملاقة ضد مشروع القانون المقترح أعطى المعارضين صوتاً أقوى، غير أن ما لا يمكن إنكاره أيضاً أن التعبئة الاجتماعية ضد القرار ساهمت أيضاً في هذا الزخم. عشرات المواقع اتشحت بالسواد يوم الثامن عشر من يناير لعام ٢٠١٢ مبدية اعتراضها على هذا القانون الذي من شأنه إضعاف المحتوى في الانترنت. نجاح المحتجين في حشد الناس ضد هذا القرار عن طريق الانترنت وبوسائل شتى يضاف إلى سجل نجاحات الحركات الشعبية على الانترنت. ثني الحكومة الأمريكية عن هذا القرار لم يكن الأول في سجل نجاحات الاحتجاج الانترنتي، كما أنه لن يكون الأخير. حتى نهاية عام ٢٠١١ بلغ عدد الحركات الاحتجاجية في العالم أكثر من ٢٥٠٠ حركة، تكاد تتكئ معظمها على الانترنت في إنشائها ودفعها لتحقيق أهدافها. إحدى الأدوات المستخدمة في الاعتراض هي العريضة الالكترونية e.Petition. تعتبر طريقة حشد الناس للتوقيع على اعتراض طريقة قديمة قبل الانترنت، وبعد دخول الانترنت إلى حياة الناس تحولت إلى طريقة آلية، مثلها مثل البريد.

لا أزال أتذكر عندما كنت صغيراً لم أتجاوز التاسعة من العمر ربما، حينما رأيت ذلك الرجل يتجول بين المصلين بعد صلاة العصر يطلب منهم التوقيع على ورقة سيقدمها لإدارة المساجد اعتراضاً على تعيين إمام جديد للمسجد. ارتبط اسم العريضة لدي بتلك القصة. بشكل عام تستمد العريضة قوتها من جماعية العمل. يكتب أحدهم نص العريضة ثم يعدل عليه الأعضاء ويوقعون عليه. وبقدر عدد الأعضاء وقيمتهم أحياناً تكتسب العريضة قوتها وتأثيرها. قبل ظهور الانترنت كان جمع ألف توقيع على عريضة يعتبر رقماً كبيراً. غير أن عرائض الانترنت لم تعد تأبه إلا بالملايين من التوقيعات أو مئات الآلاف على الأقل. فسهولة تدوير العريضة بين جمهور كبير من الناس خلال فترة قصيرة مع حشد الوسائل المؤثرة لا يمكن أن يكون إلا في الانترنت، وعن طريق الشبكات الاجتماعية على وجه الخصوص. خلال الأسطر القادمة سأحاول استعراض التجربة البريطانية في العرائض الالكترونية، وبعض المواقع الشهيرة وكيف يمكن أن تؤثر العرائض الالكترونية.

تابع القراءة


أغسطس 5 2011

‎تعليقات القراء عبر الانترنت .. متلازمة الصداع والتفاعلية

بائسة تلك الدار حينما نادى فيها الشاعر ولم يجد أحداً يرد عليه، فقال:
ما في الديار من الأحبة مخبر .. إلا صدى لمصوت
ناديت أين أحبتي .. فأجبت أين أحبتي
في الاتصال يعتبر رجع الصدى في نماذج الاتصال أحد أهم عناصر العملية الاتصالية، كما في نموذج وليبرل شرام المكمل لنموذج شانون. وليس من المبالغة القول بأن رجع الصدى أحد المحفزات على تكرار الاتصال سواء في الاتصال الجماهيري أو الاتصال الشخصي. علامات التعجب التي ترتسم على وجوه الحاضرين، توحي بكثير من الطمأنينة للمتحدث، لأن الناس يتفاعلون مع حديثه. ولذلك كان من الصعب على أناس كثر مثل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن يتحدث إلى علبة جوفاء لايرى متلقين ولا يحدث إلا نفسه، وهذا بلغة الاتصال يحدث بسبب نقص أحد أركان العملية الاتصالية. الأمر لايختلف كثيراً في الاتصال الجماهيري، فرسائل القراء وتعقيباتهم على ماينشر في وسائل الإعلام، كانت حافزاً لكثير من العاملين في الإعلام على بذل المزيد. بل إن بعضهم لا يجد غضاضة في أن يقول إن غضب الجماهير أو الإجراءات الحكومية التي تتخذها السلطات بعد التقارير الإعلامية المثيرة هي رجع صدى، وبهذا المنطق فإن رجع الصدى هو حجر الأساس في العمل الإعلامي، رغم اختلاط هذا المفهوم بالتأثير.

مصدر الصورة http://www.iedp.com/

يؤكد المؤسس المشارك ورئيس التحرير لموقع هفنجتون بوست على الانترنت أنه يعجب جداً بردود الفعل الآنية التي يبعثها القراء عبر الانترنت. هذه التفاعلية تمنح القارئ والكاتب خبرة مشتركة، فالقارئ لم يعد متلقياً سلبياً ينتظر الأخبار فحسب. وهذا بالتأكيد إحدى ميزات الانترنت. إذ لم يكن يحلم الصحفي في أي صحيفة محلية أن يحظى بردود ١٠٠ قارئ على أي مادة صحفية يكتبها. فقبل ظهور الانترنت كان البريد هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في الحصول على رجع الصدى من القراء، ذلك أن الفاكس كان محصور الاستخدام لدى فئة معينة من الناس. أما الهاتف فلم يكن لدى كثير من القراء رغبة في استخدامه لنقل ردودهم إلى الصحف في غالب الأحيان. لذا نجد أن كثيراً من الصحف الورقية سارعت بالسماح للقراء بنشر تعقيباتهم في نسختها الورقية، في حين أن بعض الصحف مثل صحيفة الحياة، باتت تنتقي من ردود القراء عبر الانترنت، وتنشرها لاحقاً في النسخة الورقية في محاولة منها لتحفيز القراء على التعليق على موادها المنشورة على الانترنت. أما جريدة الرياض مثلاً فيتضح اهتمامها بردود القراء من خلال دعوتها القراء إلى التسجيل في موقعها والتعليق للحصول على جوائز ومكافآت.
‎في دراسة أجريت على تعليقات القراء في موقع قناة الجزيرة العربي، تبين من خلالها أن معدل التعليقات يصل إلى ٢٧ تعليقاً على الموضوع الواحد. كما بينت الدراسة أيضاً أن تعليقات القراء غالباً ماتنشط في أوقات الإجازات مثل يوم الخميس والجمعة والسبت

بحسب الدراسات الإعلامية فإن لرجع الصدى فوائد وسمات عديدة منها التصحيح والإضافة أو المعارضة والتأييد، أما دراسات الإعلام الالكتروني فأضافت بعض الفوائد التي لاتخرج كثيراً عن فوائد رجع الصدى بشكل عام، من ضمن هذه الفوائد والسمات،التفاعلية بين القراء أنفسهم، وما تتضمن من تصحيح أو تكذيب. إضافة إلى أن من فوائد التعليقات أيضاً إضافة مادة جديدة إلى الموضوع الصحفي عن طريق القراء، الأمر الذي يمكن الاستفادة منه في كتابة مادة صحفية أخرى، وهو مايفعله الكاتب في جريدة الرياض فهد الأحمدي.
‎لايمكن الحديث دائماً بإيجابية عن تعليقات القراء وفوائدها، يصف أحد الباحثين تلك التعليقات بقوله “على الرغم من أهمية التعليقات في موضوع التفاعلية في عصر الالكتروني إلا أن تلك التعليقات في الغالب تشبه كثيراً الخربشات على جدران الحمامات، مجهول ‎كاتبها، هجومية، ومليئة بالكراهية. لست بحاجة لتطبيق هذا الوصف على صفحات عربية. يمكن لأي متابع أن يلحظ ذلك بجلاء في العديد منها للأسف.

‎أمضيت وقتاً طويلاً في محاولة تتبع تجارب المواقع الإخبارية على الانترنت مع ردود القراء على موضوعاتها المنشورة. بشكل عام يمكن تقسيم تلك المواقع إلى قسمين، القسم الأول مايسمح بنشر تعليقات القراء بشروط سهلة بعد الاطلاع عليها. أما القسم الثاني، مايسمح بنشر تعليقات القراء، مع قائمة من الاشتراطات الطويلة. قد يكون من المناسب السؤال، لماذا لا يمكن للقارئ التعليق مباشرة، مع أن سهولة التعليق تحفز الكثير من القراء على التعليق وهو ما سيعود على الموقع بكثير من النفع. بشكل مختصر، يمكن القول بأن الخوف من الدعاوى القانونية، يعد العامل المشترك في منع الصحف لقرائها من التعليق مباشرة. إضافة إلى أسباب متعددة يمكن حصرها بالتالي:
‎١- الخوف من الإساءة للصحيفة نفسها.
‎٢- الخوف من الدعاية .
‎٣- الخوف من الرسائل المزعجة “السبام” التي يمكن أن تهدد الموقع تقنياً.
‎فيما يتعلق بالقسم الأول، تعتبر العديد من الصحف السعودية والقليل من الصحف العالمية نموذج لهذا القسم، وذلك لحرصها على الحصول على أكبر عدد ممكن من تعليقات القراء. إضافة إلى ذلك تعتبر صحيفة تايمز اوف انديا مقاربة للصحف السعودية. وقد وضعت تنبيهاً قصيراً لمن يريد التعليق “التعليق سوف يراجع، وسوف ينشر إن كان متصلاً بالموضوع، وغير جارح”. وبعد ذلك يمكن كتابة التعليق وإرساله

طريقة التعليق في صحيفة تايمز اوف انديا

طريقة التعليق في صحيفة تايمز اوف انديا

‎فيما يتعلق بالقسم الثاني من المواقع ذات الاشتراطات الطويلة. فهي في الغالب المواقع العالمية الشهيرة مثل موقع البي بي سي والسي ان ان. وبعض المواقع الأخرى. ففي حين تشترط مواقع القسم الأول اشتراطات سهلة، تبالغ بعض المواقع في القسم الثاني في اشتراطاتها، لدرجة أن صحيفة صن كرونيكل الأمريكية، وهي صحيفة غير مشهورة، وضعت اشتراطات في غاية الغرابة، فقد اشترطت الصحيفة على من يريد التعليق أن يملأ استمارة تسجيل طويلة، تتضمن أرقام هواتفه ورقم بطاقته الإئتمانية التي سيخصم منها بضع سنتات لأجل التأكد فقط. وذلك ربما للتأكيد على من يريد الكتابة أن شخصيته معروفة ويمكن الوصول إليه بسهولة لمقاضاته. نتيجة لهذا، لم أستطع أن أصل إلى تعليقات للقراء في تلك الصحيفة، وعلى الرغم من غرابة تصرف الصحيفة وإقصائها لتعليقات القراء إلا أنها قد تفكر أيضاً في كلفة مراقبة التعليقات، وتجد أن الاستغناء عن تعليقات القراء بطريقة غير مباشرة، أوفر وأكثر أماناً من وجود التعليقات. خصوصاً إذا علمنا أن بعض الدراسات تشير إلى أن من يعلق على الموضوعات في مواقع الانترنت لايكتفي بتعليق واحد فقط. بل إن بعضهم يكتب من تعليق إلى ٣ تعليقات في الموضوع الواحد. وأربعة تعليقات في إجمالي الموقع.
‎يعتبر موقع البي بي سي أحد أقدم المواقع التي سعت إلى استقطاب تعليقات القراء منذ فترة طويلة. ولضخامة الموقع والخوف من المسؤولية القانونية فإن موقع البي بي سي يعتبر مدرسة في وضوح الاشتراطات وآلية نشر التعليق. في صفحة طويلة وواضحة وضع الموقع قائمة الاشتراطات التي يجب أن تتوفر فيمن يريد الكتابة والمادة التي سيكتبها، إضافة إلى العديد من المعلومات القانونية التي توضح بشكل أو بآخر أن بي بي سي ستكون مسؤولة أمام القانون فيما ينشر في موقعها حتى ولو كانت المادة كتبت من قبل القراء وليس المحررين، ودرجة مسؤوليتها لاتختلف عن درجة مسؤولية الكاتب نفسه. وهي لذلك تريد أن تحمي نفسها قانونياً، وفي الوقت نفسه فإنها تريد الحفاظ على مستوى عال من تعليقات القراء. يمكن القول باختصار إن التعليق في موقع البي بي سي يمر بثلاث مراحل:
‎الأولى: رقابة ماقبل النشر
‎الثانية: رقابة مابعد النشر
‎ الثالثة: رقابة القراء أنفسهم عن طريق الإبلاغ عن أي تعليق يرونه غير ملائم
‎وبحسب البي بي سي فإنها قد خصصت فريقاً من المراقبين لتعليقات القراء، يمتلكون صلاحية نشر وحذف تعليقات القراء بما يتوافق واتفاقية الاستخدام، ويساند الفريق مرشح آلي يحذف بعض الكلمات تلقائياً.
‎من ضمن التجارب الأخرى التي يجدر الإشارة إليها، أن بعض المواقع وإن لم تكن بشهرة البي بي سي، اكتفت برقابة القراء فقط. إذ أن أي رد يشتكي منه عدد معين من القراء فإنه يحذف مباشرة دون أي تدخل بشري. ورغم ذكاء الفكرة إلا أن المواقع الكبرى لا يمكن أن تخاطر باستخدام تلك الطريقة لوحدها، وإن كانت لاتستغني عنها كما في حالة البي بي سي.

‎هل إخفاء هوية الكاتب مفيد؟
‎يتضح مما سبق أن جميع وسائل الإعلام الالكترونية تقريباً لاتفضل المعلقين ممن تجهل هويتهم، لذلك فإن جميع الاشتراطات السابقة تسعى للحد من إخفاء الهوية. غير أن سؤالاً يطرحه البعض، ألا يمكن أن يكون إخفاء الهوية مفيداً أحيانا؟

السؤال الذي يوجه دائماً لمن يريد التعليق .. من أنت؟

‎بطبيعة الحال يتوقع أن الجواب يختلف في المنطقة العربية عن دول العالم الغربي على سبيل المثال. غير أن الجواب لايختلف كثيراً، جين بالون التي قيمت تعليقاتها بتقييم مرتفع قرابة ٥٠٠ مرة في جريدة الوول ستريت جورنال، أشارت إلى أنها تلقت تهديدات بالقتل بسبب تعلقياتها. الأمر لايختلف كثيراً في المنطقة العربية، فكثيرون تعرضوا لاعتقالات تعسفية بسبب إبداء آرائهم في مواقع الانترنت المختلفة. ولذلك يرون أن إخفاء الهوية أمر مفيد لهم. المختلف بين العالمين أن ضابط المسموح والممنوع يختلف كثيراً بينهما. في موقع البي بي سي يمكنك التعليق بانتقاد المسؤول مثلاً وينشر التعليق لأنه لم يخالف شروط النشر، لكن انتقاد المسؤول في بعض الصحف العربية لايخالف شروط النشر المعلنة لكنه ممنوع. إضافة إلى ذلك، فإن الكتابة باسم صريح عند التعليق في الصحف العربية من شأنه بكل تأكيد أن يقلل من مستوى صراحة المعلق أياً كان السبب، وذلك لعلمه المسبق بأن تعليقه قد لاينشر أو قد يعرض لمشاكل أمنية حتى لو وافق الرقيب على نشره.

‎الكتابة عن تعليقات القراء على مواقع الصحف الالكترونية، موضوع طويل جداً، أجد أنني أنتهي منه مجبراً وفي ذهني نقاط متشابكة ومتعلقة بالموضوع. لكني وددت فقط الإلماح إلى هذه النقطة الفارقة في خصائص الإعلام، ومحاولة إلقاء الضوء عليها من ناحية إعلامية مفيدة للمرسل والمستقبل. والموضوع بحاجة إلى مزيد من التناول خصوصاً فيما يتعلق بخصائص القراء ودوافعهم للتعليق على الموضوعات الصحفية، إضافة إلى أكثر الموضوعات تعليقاً، وهل يمكن استنباط رأي عام من تعليقات القراء. وغير ذلك من الأسئلة التي أثارها البحث في هذا الموضوع.


مايو 21 2011

‎توظيف الإعلام الجديد لتبسيط العلوم

أقل من شخص واحد يقرأ الرسالة العلمية الواحدة، وقرابة ٩٠٪ من الأبحاث المنشورة لايستفاد منها في أبحاث أخرى، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من الكتب تبقى في بعض المكتبات أكثر من ٢٠ سنة دون لمسها. إحصاءات صادمة تلك التي أوردتها مسؤولة في مكتبة جامعة نورث أمبريا في مدينة نيوكاسل البريطانية. بحرقة واضحة كانت تتحدث عن أهمية استخدام وسائل الإعلام الجديد في نشر هذا الكم الهائل من الأبحاث والكتب العلمية الرصينة. بحسب تلك المسؤولة فإن معدل قراءة الرسائل العلمية بعد تحويلها إلى نسخ الكترونية قارب ٤٠٠ قراءة بعد أن كان أقل من قراءة واحدة في النسخة الورقية. المعادلة الصعبة ليست في تحويل الأبحاث والكتب والرسائل العلمية إلى مجرد نسخ الكترونية جامدة مثل تحويلها إلى ملفات PDF ‎ أو غيرها من الصيغ التي لاتختلف كثيراً عن النسخة الورقية. المؤتمر التدريبي الذي عقدته الجامعة أعلاه كان يطرح المعادلة بصيغة أعم وأصعب، كيف نجذب شريحة أكبر من الناس إلى أبحاثنا وهمومنا الأكاديمية عن طريق توظيف وسائل الإعلام الحديثة. خلال ورشة العمل طُرحت بعض التساؤلات الجديرة بالاهتمام، التساؤل الأول طرحه بعض الطلاب الدكتوراه الذين يدرسون موضوعات معقدة وبعيدة عن اهتمام معظم الناس، فالطالبة الأولى كانت تبحث في الأعمال الأدبية في إحدى القرون المتقدمة لروائيين بريطانيين قضوا انتحاراً،أما الآخر الذي لا يقل بحثه غرابة عن سابقته فهو يبحث في التاريخ الشفهي لإحدى الطرق القديمة في مدينة ليدز البريطانية. تساؤل آخر طرحه بعض الطلاب أيضاً، عما إن كان الباحثون يحتاجون إلى تبسيط المعلومة وإيصالها لكل الناس. أحد الطلاب المحبطين ختم التساؤلات بحديث قد يكون مبالغاً فيه، فبحسب الطالب فإن مجرد إخباره لأي شخص في المناسبات الاجتماعية بأنه يدرس الدكتوراه، فإن ذلك كفيل بوضع حاجز عريض بينهم، فسمعة طلاب الدكتوراه كما يقول سيئة بسبب أحاديثهم المعقدة التي لانفع منها في الغالب، فالاستماع إلى مهاترات الطاولة المجاورة في المقهى أفضل من الحديث مع طالب دكتوراه.
‎بدا أن طرف الحل سؤال سألته المحاضرة لأولئك الطلاب .. لماذا اخترتم مثل هذه الموضوعات لدراستها؟ ثم أعقبت قائلة إن العنصر الذي جذبكم لدراسة هذا الموضوع أو ذاك سيجذب بالتأكيد آخرين لقراءة أبحاثكم والإبحار في تخصصاتكم. مؤكدة أيضاً أن القصد من تبسيط النتاج الأكاديمي ليس جذب جميع الناس لجميع الموضوعات، بل إن الهدف هو توسيع دائرة الاهتمام لاغير. انخفاض تكلفة النشر على الانترنت واتساع المساحة، كفيل بإيجاد جمهور أكثر عدداً قد يصعب الوصول إليه بوسائل الإعلام التقليدية. لدى أطياف متعددة في المجتمع اهتمام بموضوعات قد لاتمس حياتهم بشكل مباشر، لكنهم يحبون الإطلاع على فنون أخرى من فنون المعرفة. إخراج الأبحاث المتخصصة من قالبها الأكاديمي الجامد إلى قالب أسهل وأقل تعقيداً وربما أسمح وجهاً من القالب الأكاديمي الذي قد يحصر قراءة الابحاث في المحكمين أمر يعتبر غاية في الأهمية خصوصاً إذا عرفنا أن الجامعات الحقيقة هي التي تعيش في قلب مجتمعها وهمومه. نحن بحاجة إلى ربط الناس بالعلوم المختلفة وربطها بمجتمعهم بطريقة أو بأخرى.
‎ إحدى التجارب اللطيفة في هذا المجال ماعرضه المتخصص في التاريخ السياسي وأحد الشخصيات المهمة في مجاله البروفيسور Steven Fielding. إذ قام بمبادرتين في هذا المجال، الأولى هي إنشاء مدونة ضمن صحيفة الجارديان البريطانية يتناول فيها بعض الموضوعات المتخصصة ويحاول أن يشد القارئ من نقطة الأحداث الحالية. أما المبادرة الثانية التي جاءت بمشاركة من زملاء آخرين وهي التي لاقت رواجاً سريعاً فهي قناة ومقاطع صوتية على الايتونز ومدونة بعنوان السياسة في ٦٠ ثانية. هذه المبادرة تتخلص في العبارة التي وضعوها عاليا قد لاتستطيع أن تسلق بيضة خلال ٦٠ ثانية، لكن خبراء السياسة في جامعة نوتنجهام يستطيعون أن يثبتوا لك أن باستطاعتك التعرف على المفاهيم السياسية خلال هذه المدة
You can’t boil an egg in 60 seconds, but political experts at The University of Nottingham are proving you can define a political concept.
‎ ويوضح أستاذ العلاقات الدولية وأحد القائمين على المشروع البروفيسور Wyn Rees دوافع هذا المشروع بقوله “إن لدى الكلية العديد من الخبراء في هذا المجال، ونرغب في إيجاد طرق لكسب الطلاب والزملاء، وأي شخص لديه أدنى اهتمام بالسياسة”.
‎ بحسب البروفيسور Wyn Rees فإن هذه الفكرة لقيت صدى واسعاً لدى الجمهور الذين فاق مئات الآلاف منذ عام ٢٠١٠ فقط. شملت هذه التجربة مدونة خاصة عن الانتخابات البرلمانية البريطانية لعام ٢٠١٠ إضافة إلى موقع اليوتيوب وقناة الايتونز، كما لقيت هذه التجربة صدى في الإعلام العالمي مثل سكاي و الديلي تيلجراف والبي بي سي والعديد من الصحف الأخرى التي وصفت المدونة على سبيل المثال كأحد أهم ٣ مدونات يجب قراءاتها خلال فترة الانتخابات.
‎من المهم في هذا السياق رؤية القائمين على هذا المشروع أنه امتداد لعمل الكلية وهذا هو المهم بكل تأكيد، فواجب المؤسسات الأكاديمية لاينحصر داخل أسوارها بل يمتد إلى خارجها وهو الأهم في العملية التنويرية والتعليمية.

‎روابط ذات صلة:

مدونة البروفسور Steven Fielding في موقع جريدة الجارديان

مدونة الانتخابات البرلمانية البريطانية ٢٠١٠

رابط قناة اليوتيوب

صفحة البروفسور Steven Fielding في جامعته


مارس 5 2011

بين المواطنة والصحافة .. كيف يستخدم الصحفي الشبكات الاجتماعية

فصل الصحفية اوكتافيا ناصر صيف ٢٠١٠ من شبكة سي ان ان بسبب رأيها في إحدى الشبكات الاجتماعية عن العالم الشيعي فضل الله، لم يكن الأول في سلسلة المشاكل التي تواجهها المؤسسات الإعلامية والصحفيون على حد سواء بسبب الشبكات الاجتماعية، كما أنها لن تكون الأخيرة أيضاً. القائمة تزداد في إعلام العالم غير العربي. تعود هذه المشاكل إلى سؤال جوهري أخلاقي في الإعلام.إذ أن من المسلم به في أخلاقيات الصحافة أن على الصحفي أن يكون محايداً. وعلى الرغم من اختلاف مفهوم الحيادية بين البشر، إلا أن من المتفق عليه في أبجديات الصحافة أن لايبدي الصحفي رأيه صراحة في الموضوعات التي يتناولها. هذه المعلومات ليست جديدة. غير أن الجديد ماذا لو أبدى الصحفي آراءه وتوجهاته في الشبكات الاجتماعية التي لا تأخذ شكل وسيلة الإعلام التقليدية، كما أنها ليست اتصالاً شخصياً صرفاً. هذه التدوينة تحاول أن تسليط الضوء على هذه القضية الحديثة نسبياً في علاقة الصحفي بوسائل الاتصال.

بعد ممانعة استغرقت سنوات، انضممت مؤخراً لتويتر، وقبله بسنوات للفيس بوك. أعتبر نفسي متحفظاً في إضافات الأشخاص إلى قائمة الفيس بوك. استخدامي الشخصي للفيس بوك يعكس نظرتي له، إذ لا أزال استخدمه على أنه وسيلة ترفيه وتواصل مع بعض الزملاء، مع قليل من الجدية أحياناً. لكن الأمر يختلف تماماً في تويتر. فطبيعته المختلفة عن الفيس بوك، تجعلني أتردد في تعريفه بأنه شبكة اجتماعية، رغم أن غالبية الناس يعتبرونه كذلك. على أية حال، بعد أن أضفت العديد من الزملاء الصحفيين والإعلاميين، دهشت لطريقة استخدامهم لتويتر. آراء الصحفيين كانت تظهر بصراحة في حساباتهم ويتداولها المئات. مع أن بعضهم يحاول أن يخلي مسؤولية وسيلته بالتأكيد على أن كتاباته لاتعكس رأي المؤسسة الإعلامية التي يعمل لها، إلا أن ذلك كان صادماً بعض الشيء. في أبجدياتي الإعلامية أن الصحفي لا ينبغي أن يظهر توجهه تجاه أي قضية حفاظاً على مهنيته ومهنية مؤسسته، لكن الواقع كما ذكرت مختلف إلى حد ما. في المقابل ثمة سؤال أو اعتراض يجب أن يطرح هنا. فهل على الصحفي أن يتخلى عن حقه الإنساني في إبداء آراءه وميوله واتجاهاته، لمجرد أنه صحفي. أليس لهذا الصحفي أحاسيس ومشاعر يود أن يتبادلها مع الآخرين؟

بصرامة بالغة، يؤكد الخبير في أخلاقيات الإعلام خافيير ريستريبو، في إحدى مؤسسات الإعلام في أمريكا اللاتينية أن التقنيات الحديثة لا تغير من أخلاقيات الإعلام شيئاً. فالأخلاقيات التي سرت منذ أيام مخترع الطباعة الأولى جوتنبرغ لاتزال صالحة لمستخدمي الانترنت، فالوسيلة لاتغير من أخلاقيات الصنعة شيئا. الانترنت باعتباره وسيلة إعلام قوية التأثير، يجب أن يصاحبه تحمل مماثل للمسؤولية. ويرى ريستريبو أن على الصحفي أن يلتزم بهذه الأخلاقيات باعتباره صحفياً ومدوناً في آن. وعلى الرغم من الصحفي يكتب في وسيلة الإعلام التي يعمل فيها ضمن خطوط المؤسسة العريضة، في حين أنه يكتب في الشبكات على الاجتماعية على مسؤوليته الخاصة. إلا أن الأخيرة لاتعفيه من مسؤوليته كصحفي يلتزم قول الحقيقة. في ذات السياق ترى أستاذة الاتصال في إحدى الجامعات المكسيكية، مارجريتا توريس أن للصحفي الحق مثل غيره من البشر في استخدام الشبكات الاجتماعية، لكنها تؤكد أن احترامه والتزامه بمهنته يفرض عليه قيوداً عديدة.

قد يكون من المتفق عليه أيضاً أن على الصحفي تحري الحقيقة حتى في الشبكات الاجتماعية، شأنه شأن أي مستخدم واع في فضاء الشبكات الاجتماعية الرحب. لكن الموضوع الأهم، هو ماذا لو قال الصحفي الحقيقة، لكنه أضاف آراءه وميوله الذاتية التي قد تبتعد عن المنطق أو الحقيقة كما فعلت ناصر. هذا هو مربط الفرس في هذه القضية الحساسة. في الغالب أن الناشط في ممارسة مهنته من الصحفيين يفهم أن عليه البحث عن الحقيقة والتأكد من الأخبار. لكن ماذا عن ميوله الذاتية. تخيل أن مذيعاً يقدم نشرة أخبار تحاول فيها مؤسسته الإعلامية أن تظهر مهنيتها في تناول الأخبار، لكن المشاهد العادي يعرف أن رأي المقدم مخالف لرأي المؤسسة ومخالف لما يذيعه. السؤال ماهو شعور المتلقي؟ وماشعور المذيع نفسه حين يعلم أن مشاهديه يعرفون رأيه المسبق في هذه القضية؟ بغض النظر عن اعتقاد بعضهم أن مايقوم به المذيع نوع من النفاق، وربما يرفضه بعضهم لهذا السبب. إلا أن آخرين لهم آراؤهم الوجهية في رفض التلقي من هذا المذيع، لأنهم ببساطة فقدوا الثقة فيه، وفي محاولته الحيادية كصحفي محترف. وهذا هو بالضبط مايخشاه القائمون على المؤسسة الإعلامية حين يستخدم صحفيوهم الشبكات الاجتماعية. أمر آخر قد يشوب مشاركة بعض الصحفيين في الشبكات الاجتماعية، حين يقوم صحفي متحمس بتسريب بعض الأخبار قبل مؤسسته التي يعمل لها. سيكون هذا الفعل محرجاً جداً لمؤسسته.

ربما لايروق هذا الحديث لبعض الإعلاميين من غير المتخصصين، لأنهم يرون أن هذا من تنظير أكاديميي الإعلام، الذي عادة مايكون منفصلاً عن الواقع المهني. ورغم أن لوجهة النظر هذه مايبررها، إلا أن مسؤولي المؤسسات الإعلامية يتفقون مع الأكاديميين في هذا الرأي خصوصاً  إذا كان القانونيون في مؤسسات الإعلام من الفاعلين فيها. كبير المحررين في واشنطن بوست ميلتون كولمن تجاوز التنظير إلى التنفيذ بعد بضعة تجاوزات من الصحفيين العاملين في واشنطن بوست في استخدام الشبكات الاجتماعية. فقد أرسل كولمن إلى صحفييه مايمكن تسميته بإرشادات حول استخدام الصحفيين للشبكات الاجتماعية. يستهل كولمن قوله بجملة قد تثير الكثير من الجدل يقول فيها، إنه يجب على الصحفيين في واشنطن بوست التذكر دائماً أنهم صحفيون في واشنطن بوست، الأمر الذي يعني أن عليهم أن يتخلوا عن بعض امتيازاتهم كمواطنين. وهو هنا قد يشير إلى وجوب التخلي عن حق الصحفي في التخلي عن حقه في التعبير عن رأيه كشخص. ويشرح ذلك بقوله أن على صحفيي المؤسسة أن يأخذوا بالاعتبار أن كل مايكتبونه حتى في حساباتهم الشخصية في الشبكات الاجتماعية يجب أن يتوافق ومعايير الصحفية المطبوعة منها والالكترونية  . كولمن ليس الأخير فقد سبقته صحيفة وول ستريت بحزمة من الإرشادات أكثر دقة ليس فيما يتعلق بما يكتبه الصحفيون في الشبكات الاجتماعية فحسب، بل بكل سلوك الصحفيين في الشبكات الاجتماعية، من الإرشادات الجديرة بالاهتمام توجيه الصحفيين بعدم إضافة أي شخص إلى قائمة الأصدقاء قد يكون من مصادر الأخبار السرية للصحفي، حتى لايفضح هذا المصدر أو يتعرض للخطر. كما تمنع التوجيهات الاستشهاد بقول أي شخص ضمن قائمة الأصدقاء في أي عمل صحفي، إضافة إلى وجوب إظهار شخصية الصحفي والغرض من الحديث عند التحاور مع أي شخص في الشبكات الاجتماعية.

الإرشادات السابقة غيض من فيض. مواقع الانترنت المتخصصة أفاضت الحديث في هذه النقطة،نظراًً لحساسيتها وربما للمشاكل القانونية التي قد تخلفها مشاركة الصحفيين. في رأيي الشخصي أن على الصحفي أن يستخدم تلك الشبكات بشكل متحفظ جداً، حتى لا يسيء لنفسه ويسيء لمؤسسته التي يعمل لها، نظراً لضبابية الحد الفاصل بين المؤسسة الإعلامية والصحفي الذي يعمل لديها.

مراجع الموضوع:


يناير 11 2011

المدونات قبل ظهور الانترنت!

من الصعب جداً اختزال ظاهرة المدونات في مقال واحد أو بضعة مقالات. ذلك أن المدونات ليست مجرد ظاهرة قصيرة الأمد تبدو تارة وتخبو أخرى. بل هي أشبه بالسلوك الإنساني أو هي سلوك إنساني. المدونات ترتبط بالتعبير عن الرأي في أقل أحوالها، وترتبط أحياناً برغبات إنسانية تختلف من شخص لآخر ومن شعب لآخر. على أية حال، يخطئ من يعتقد أن المدونات بشكلها الالكتروني وليدة الانترنت. فالمدونات في رأيي الشخصي هي محاولة أفراد للتعبير عن رأيهم وإيصاله إلى جمهور أوسع دون استخدام وسائل الإعلام الجماهيري. هذا المفهوم ينطبق على غالب المدونات. فالمدون غالباً يلجأ للتدوين للتعبير عن رأيه، لتعذر أو صعوبة التعبير عنه بالطرق التقليدية أو باستخدام وسائل الإعلام الجماهيرية. هذا المقال سيحاول أن يسلط الضوء على تاريخ المدونات قبل ظهور الانترنت.

قد يكون من المستغرب لدى القراء أن يكون للمدونات امتداد تاريخي قبل ظهور الانترنت. المصادر التاريخية التي تناولت تاريخ الاتحاد السوفيتي المنحل، تشير إلى أن قمع حرية التعبير في الاتحاد السوفيتي، والعقوبات القاسية التي تنزل بمن يحاول تجاوز خطوط الإعلام الحمراء، أوجدت حاجة ماسة لدى الناس للتعبير عن آرائهم بطريقة لاتعرضهم للعقوبة. فالجرائد والإعلام الرسمي من طراز صحيفة البرافدا الناطقة باسم الحزب الحاكم لم تكن تقدم إعلاماً يلبي أبسط حاجات المتلقين، حتى إن أحد الصحفيين الأوربيين شهد أن السوفياتيين استخدموا تلك الصحيفة وغيرها كورق حمام نظراً لبعض الظروف الاقتصادية وكرههم لها في المقام الأول. فهم بحسب مايقول الصحفي يعتبرون أن هذا هو الاستخدام الأمثل لها ولأشباها من صحف تلك الحقبة. ولذلك جاءت تلك المدونات الورقية التي توزع بطريقة سرية سميت لاحقاً بالسامزدات самиздат باللغة الروسية. كلمة سامزدات منحوتة من كلمتين روسيتين الأولى سام تعني الشخص أو الشخصي، و ازدات تعني دار النشر.  أحد نماذج المدونات

وجدت هذه المدونات الورقية قبولاً شعبياً واسعاً، وتنوعت موضوعاتها مابين أدبية إلى سياسية إلى غير ذلك من الموضوعات. وفي الوقت الذي لم تكن كتابة ونسخ  تلك المدونات أمراً صعباً، فهي إما تكتب بالآلة الكاتبة أو بخط اليد وتنسخ بأوراق الكربون. كان توزيعها هو المعضلة الأصعب. كانت الطريقة الأشهر هي وجود مايسمى بالدوائر المغلقة. تتكون تلك الدوائر من ٥ أشخاص فقط يعرفون بعضهم جيداً وتدور تلك المدونات بينهم فقط. كما شهد تاريخ تلك المدونات تطوراً في تقنية النشر، إذ ظهرت بعض المدونات الصوتية المسجلة على أشرطة كاسيت عادية سميت بالتاميزدات، ولم يكن مضمونها مختلفاً عن سابقتها. انتشار تلك المدونة مكتوبة كانت ومسموعة، لم يتوقف عند حدود الاتحاد السوفيتي، بل تبين لاحقاً أن لها جمهورها من دول الغرب الأوربي، الذين كانو يتلهفون للحصول على نسخ من تلك المدونات، إضافة إلى أن تلك المدونات المسربة والتي سميت هي الأخرى باسم مختلف هو ماجنتزدا Magnitizda باتت مصدراً مهماً للصحفيين الأوربيين للحصول على أخبار لا تنشرها الصحف السوفيتية. كما تشير المصادر أيضاً إلى أن عدداً من كتاب تلك المدونات السرية اكتسبوا شهرة واسعة نظير كتابتهم فيها. نهاية الاتحاد السوفييتي خلقت تحولات عديدة في دوله، وورثت تبعات اجتماعية واقتصادية وثقافية لا حصر لها. غير أن ظاهرة السامزدات عاد إلى السطح من جديد بوجه آخر له خصائصه وسماته التي لاتختلف في أصلها عن مفهوم السامزدات. حاجة بعض الكتاب إلى اكتساب جمهور بعيداً عن الإعلام الرسمي، جعلت من المدونات خياراً مثالياً لهم. وفي جهة أخرى فإن تطور المجتمعات وتغير أنظمة الحكم في معظم دول العالم، لم يغير شيئاً كثيراً فيما يتعلق بالحريات الفكرية. فعلى الرغم من تعدد القنوات الفضائية والمطبوعات الصحفية إلا أن حرية التعبير ليست متاحة في كثير من دول العالم. لذلك جاء استخدام المدونات كخيار مثالي للتعبير عن الرأي نصاً وصوتاً وصورة. يرى متخصصون أن مدونات الانترنت والسامزدات بوصفهما سلوكاً إنسانياً تتقاطعان مع بعضهما الآخر وتشتركان في خصائص عديدة. أحد هذه الخصائص المشتركة، أن سرية الاسم وعدم نشر هوية الكاتب تعتبر سمة غالبة في الاثنتين، ومرد ذلك إلى الخوف من بطش السلطات. كما يرى آخرون أن معظم قراء المدونات والسامزدات هم ممن يشتركون في نفس الدائرة غالباً، فقراء السامزدات هم من كتابها وموزعيها، وقراء المدونات غالباً هم ممن يملكون مدونات مشابهة، وعلى الرغم من غرابة هذا الرأي إلا أن دراسات تشير إلى أن غالب قراء المدونات هم ممن يملكون مدونات أصلاً، ويودون الاطلاع على آراء الآخرين ممن يشاطرونهم الاهتمام.


أغسطس 27 2010

أبل والإعلام والمجتمع .. سر الجذب مع جشع الاحتكار

أذكر أن أحد كبار السن في بريدة كان يبيع أحد أكثر أنواع الأشمغة شهرة، وحتى يلبي رغبة أكبر عدد ممكن  لم يكن ليبيع أكثر من شماغين للشخص الواحد. لذلك كان أحد أقاربي حين يقترب من المحل، يقسم المال بين أولاده ليدخلوا على صاحب المحل واحداً واحداً حتى يستطيع الحصول على كمية أكثر من الأشمغة تلبية لرغبة أقاربه الذين طلب كل واحد منهم شماغاً من ذلك النوع “الفاخر” . سياسة كبير السن رحمه الله حياً أو ميتا، لا تختلف كثيراً عن سياسة إحدى أكبر شركات الالكترونيات شهرة في القرن العشرين. مع اختلاف الزمن واختلاف السلعة إلا أن سياسة البيع واحدة، والهدف واحد. فتعدد الشركات المصنعة للهواتف الذكية وكثرة الأنواع المنتجة، تجعل من غير المتخيل أن ينتظر أناس ٣ أسابيع للحصول على هاتف جوال، ومن غير المتخيل أيضاً أن يضطر بعضهم للوقوف أكثر من ٨ ساعات أمام محلات أبل للحصول على ايفون. وكأن الايفون هو هاتف الجوال الوحيد في العالم . فعلى الرغم من أن عيباً تصنيعياً ظهر في جهازها واعترفت به، إلا أن الشركة ورغم مرور أكثر من شهرين على طرح الجهاز لم تستطع تلبية الطلب المتزايد عليه . هذه الجماهيرية والهوس بمنتجات أبل ليس وليد اللحظة، ولم تظهر مع الآيفون فقط. أبل  وببراعة لم تعرف خلطتها بعد، أسرت  قلوب الإعلام وقلوب موظفيها وقلوب زبائنها، بل وعشاق التقنية بشكل عام. وغدا كل واحد منهم مسوقاً لأبل دون أجر.

ِApple Logo

في جانب الإعلام، تشير  دراسة أجريت على مايقارب ٣٠٠٠ موضوع منشور عن أبل، وجدت الدراسة أن الموضوعات الإيجابية زادت بأغلبية ساحقة على الموضوعات السلبية. ليس هذا فحسب، بل إن الموضوعات السلبية كانت تدور حول صحة المدير التنفيذي ستيف جوبز. دراسة أخرى وجدت أن أجهزة أبل كانت موجودة في ١٨ فلم من أصل ٤٤ فلماً حققت أعلى المشاهدات في دور السينما الأمريكية.
الأمر نفسه ينسحب على ولاء الموظفين للشركة نفسها، أحدهم يقول في تصريح لجريدة الجارديان البريطانية، إنني لا أحتفل بعيد كرسمس واحد، بل بعيدين. الأول عيد الكرسمس المسيحي، والآخر الكرسمس الخاص بأبل حينما يعتلي ستيف جوبز المنصة ليحدث الجمهور عن الجديد لدى أبل. بل إن موظفاً سابقاً يؤكد على الرغم من خروجه من أبل ،إلا أنه لايزال يحترمها، ولا يزال نادماً على الخروج منها.
في جانب النمو التجاري، تعتبر أبل ثاني أكبر شركة أمريكية من ناحية القيمة السوقية لهذا العام، إضافة إلى ذلك فإنها حققت في الربع الثاني من هذا العام أيضاً دخلاً يتجاوز ١٥ مليار دولار، وأرباحاً تتجاوز ثلاثة مليارات. ‪كما أنها ستتجاوز أرباح مايكروسوفت هذا العام، إذ تشير دراسات إلى أن أبل ستزيح بالتأكيد شركة مايكروسوفت عن عرش أكبر شركة تقنية. وفي جانب ذي صلة تربعت أبل هذا العام على قائمة الشركات الأكثر احتراماً، وبطبيعة لم تعثر مايكروسوفت على مكان لها في قائمة العشرة شركات الأولى  . ‬
‪على صعيد الأفراد، فإن أبل حققت بسياساتها الإعلامية والتسويقية هوساً بمنتجاتها يندر وجود مثيل له عالم الأعمال. يمتلئ فضاء الانترنت بمدونات تحتفل وتشرح وتوضح كل مايتعلق بمنتجات أبل، بل تطور الأمر إلى وجود مواقع تحقق في الشائعات التي تتناول أبل. والعديد العديد من المواقع. هذا الهوس ليس جديداً أيضاً، فهناك مجلات وكتب تهتم بأبل، وليس من المستغرب أبداً أن يقضي أحدهم ساعات في الحديث عن إعجابه بمنتج اشتراه من أبل، حتى إنك لتشك في أن أبل قد منحته عمولة مقابلة هذا الحديث ليس هذا فحسب، يشير مختصون إلى أن جمهور أبل لايختلف في خصائصه النفسية والاجتماعية عن طريقة أتباع الطوائف الدينية، وهي خصائص يشترك فيها جمهور أبل، وفرقة البيتلز البريطانية، إضافة إلى مهووسي نظام لينكس، ودراجات هارلي دافيدسون النارية. هذا الهوس له سمات عديدة، تتمثل بوجود صداقات تبنى على أساس حب المنتج، وقصات شعر، ووشوم، وولاء مطلق للمنتج، إلى غير ذلك من الخصائص الأخرى. مثل المتابعة الدقيقة لجميع تفاصيل المنتجات، والاستماتة في الدفاع عنها، وتعليق شعار أو أيقونة أبل في أماكن متنوعة وبشكل متكرر.
الشعار الذي يقول مصمموه إن التفاحة في الشعار ترمز إلى العلم في حين أن الجزء المقضوم منها يرمز إلى الرغبة، أما ألوان قوس قزح التي أزيلت من الشعار مؤخراً فإنها ترمز إلى الأمل، وعدم ترتيبها يرمز إلى الفوضى. هذا الشعار الذي يرمز إلى الرغبة والعلم والفوضى والأمل هو بالتأكيد ليس شعاراً بل هو منهج عمل للشركة تسرق به قلوب زبائنها يوماً بعد يوم.‬
الملاحظة التي يطرحها باحثون ومراقبون، يؤكد أن نجاح أبل يعتمد بشكل كبير وواضح على كاريزما المدير التنفيذي ستيف جوبز، وأن الهوس بأبل هو هوس بستيف جوبز لاغير. وحقيقة أن لهذا القول مايؤيده على أرض الواقع، فستيف جوبز بلباسه البسيط وغير المتكلف وطريقة حديثه المقنعة التي لا تختلف عن لبسه، اخترق قلوب الناس، كما أنه كسر القواعد التي يمتثلها مدراء الشركات العملاقة. فلم يكن من المعقول أبداً أن يعتلي منصة العرض مدير شركة بحذاء جري! هذه البساطة أثرت بشكل جلي على جمهور أبل، وعلى العاملين في الشركة وصالات العرض. قد يكون من الظلم اختزال شركة بحجم أبل في شخص واحد فقط، كما أن من الظلم إرجاع نجاحات وأرباحها إلى شخص واحد، وإغفال جودة منتجات أبل، واحترامها لعملائها.
ظهور جوبز بنفس اللباس خلال أكثر من عقد، يشير بالتأكيد إلى أن الموضوع يتعلق بسياسة شركة  وليس مصادفة
يشير آخرون إلى أن نجاح أبل إنما هو انتقام الجماهير من مايكروسوفت لاغير. وأن سياسة مايكروسوفت الاحتكارية هي سبب نفور الناس منها. في حين أنني أجد شخصياً أن أبل لاتقل سوءً في هذه الناحية عن مايكروسوفت إن لم تتجاوزها. على سبيل المثال فإن جهاز الآيفون الأكثر شعبية لايزال في أمريكا محتكراً على شبكة شركة واحدة فقط. والحال نفسها في عدة دول، مثل بريطانيا التي تقول أبل إنها أعطت حقوق توزيع هاتفها إلى أكثر من شركة، وأنها تبيعه مفتوحاً على جميع الشبكات، ومع ذلك فإن الشركة لاتزال محتكرة بشكل جشع، إذ أنه لا يمكن لأي شخص أن يشتري هاتف آيفون المفتوح على جميع الشبكات، إلا من محلات أبل نفسها، وليس موزعيها المعتمدين أيضاً. كما أن أبل تصنع أجهزتها بنفسها دون شراكة مع أي مصانع أو جهات أخرى. بل وتفرض سياسة إقصائية قاسية مع من تختلف معهم، تشبه سياسة الجملة العامية الشهيرة (عاجبك وإلا اطلع برا) وهو ما فعلته مع شركة أدوبي الشهيرة، رغم تبريرات شركة أبل غير المفهومة لسياستها مع أدوبي. على أية حال، المتأمل لطريقة بيع أبل سيجد أن نفسها الاحتكاري أطول من نفس مايكروسوفت بكثير. لذلك فالتساؤل الذي يطرح هنا، على الرغم من سياسة أبل الاحتكارية، فإن الإقبال يزداد على منتجاتها يوماً بعد يوم. وهذا في رأيي قد يكون دليلاً على أن الجمهور لايهتم كثيراً بموضوع الاحتكار بقدر ماتجذبه الجودة وحسن التعامل.
الحديث عن أبل وسياستها يطول ويطول، لكن سياسة أبل في جوانب عديدة هي موضوع جدير بالبحث والفائدة، خصوصاً في طريقة تعاملها مع وسائل الإعلام. أعتقد أننا بحاجة ماسة لمعرفة طريقة عمل جهاز العلاقات العامة في أبل، والجهاز الإعلامي أيضاً. حتى نستطيع فهم ردود فعل الإعلام تجاه أبل، فالانتشار الواسع لأخبار أبل في الفضائيات والصحف والانترنت، بل وأكثر من ذلك في وكالات الأنباء المختلفة، ليس نتيجة جهد العلاقات العامة فقط، وإنما هناك عوامل أخرى نحتاج إلى معرفتها.
مراجع للفائدة:
BIEBRACH, C. 2008. Why Apple must tell its story.
RAGAS, M. & BUENO, B. 2002. The power of cult branding: how 9 magnetic brands turned customers into loyal followers (and yours can, too!), Crown Business.
DEUTSCHMAN, A. 2001. The second coming of Steve Jobs, Random House, Inc.
BELK, R. & TUMBAT, G. 2005. The cult of Macintosh. Consumption Markets & Culture, 8, 205-217.

يونيو 28 2010

صفحات مطوية من تاريخ الإذاعات الموجهة

احتجت قبل أيام أن أكتب لمحة مختصرة عن تاريخ الإذاعات الموجهة إلى العرب خلال القرن الماضي. قبل كتابة هذه اللمحة كانت المعلومات التي لدي هي المعلومات التي استقيناها جميعاً من كبار السن، وعن علاقتهم بتلك الإذاعات. وحتى لا يختلط المفهوم، فالمقصود بتلك الإذاعات هي الإذاعات التي تطلقها الدول الأجنبية إلى العرب باللغة العربية لأهداف عديدة. أشهر مثال هو إذاعة صوت أمريكا والبي بي سي البريطانية، الشهير بإذاعة لندن. وحتى وقت قريب كان لتلك الإذاعات أثرها في المجتمعات العربية، كما أن لها جمهوراً وفياً لايزال يتابعها بشغف رغم تطور الوسائل والإمكانات.

ربما من المستحسن ابتداءً الحديث عن دوافع تلك الإذاعات وإطارها. تعتبر هذه الإذاعات ومالحقها من وسائل إعلامية أخرى ضمن مايسمى بالدبلوماسية العامة (Public Diplomcy) فإذا كانت الدبلوماسية أو السياسة الخارجية بشكل عام تتعامل مع الساسة في الدول الأخرى، فإن الدبلوماسية العامة تخاطب شعوب الدول الأخرى لأهداف متعددة. على أية حال، من المؤكد أن تلك الإذاعات لم تكن تبث حباً في العرب أو في لغتهم. بحسب دراسات متعددة فإن دوافع البث اختلفت من دولة لأخرى، لكن يبقى دافع المصلحة هو أهم دافع يحرك الدول للبث باللغة العربية. على سبيل المثال خلال منتصف القرن الماضي اتضحت حاجة بنوك سويسرا لرؤوس الأموال العربية، وفي سبيل بناء علاقات جيدة وصورة جيدة لدى العرب عن سويسرا، بدأت سويسرا بالبث إلى العرب وتضاعفت ساعات البث خلال فترة قصيرة. وفي المقابل توقفت اليونان عن البث إلى العرب بعد أن انتفت حاجتها. كما أن العلاقات التاريخية أو الدينية تعتبر أحد دوافع البث أيضاً كما هو الحال مع بعض الدول الإسلامية في أفريقيا وأماكن أخرى من العالم. قد يظهر سؤال هنا لماذا لم يتم استخدام التلفاز أو الصحف ضمن الدبلوماسية العامة. الجواب لأن الإذاعات ذات الموجة المتوسطة والطويلة، كان أقل تكلفة وأسرع في توصيل الرسالة إلى جانب تجاوزها لموضوع الرقابة مقارنة بالصحف. أما التلفاز فلم يمكن استخدامه تلك الفترة، نظراً لأن القنوات الفضائية لم تظهر بشكل فعلي تلك الفترة. بشكل عام ساهمت الإذاعات في غزو الشعوب الأخرى. خلال فترة الحرب الباردة مثلاً بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، كثفت الولايات المتحدة بثها إلى الاتحاد السوفيتي للوصول إلى أكبر شريحة من شعوب الاتحاد السوفيتي. وبالفعل استطاعت الولايات المتحدة الوصول إلى ٨٠ في المئة من تلك الشعوب المتعطشة إلى سماع وجهة نظر غير وجهة النظر الشيوعية الرسمية. وبجميع اللغات كانت أمريكا هي السيدة في ذلك المجال، إذ وصل بثها الإذاعي إلى ٢٥٠٠ ساعة برامجية أسبوعياً، تبث إلى العالم باثنين وأربعين لغة، ولم يكن يفوقها في عدد اللغات إلا الاتحاد السوفيتي الذي كان يبث بأربع وستين لغة.

بشكل خاص، فقد كانت الدول العربية الهدف الأول لعدد من دول العالم لأسباب مختلفة، منها ظهور النفط في الخليج، والحروب التي وقعت في الشرق الأوسط سواء الحرب الإيرانية العراقية، أو الحروب العربية الإسرائيلية، وحتى نعرف أهمية الجمهور العربي لتلك الدول، فإن مايعادل ربع البث الموجه حول العالم كان يستهدف العالم العربي بلغته العربية. إضافة إلى ذلك فإن جميع الدول التي تمتلك بثاً موجهاً، كانت تبث إلى العرب، باستثناء هنجاريا. لقيت تلك الإذاعات صداً واسعاً وجمهوراً عريضاً في الدول العربية. فبحسب دراسة أجرتها إذاعة مونت كارلو الفرنسية وجدت أن حوالي ٣ ملايين من المصريين يستمعون إلى مونت كارلو بمعدل يوم أسبوعياً، كما وجدت أن مايقارب من مليون ومئة ألف شخص يستمعون إلى الإذاعة بشكل يومي، ويعزز هذه الأهمية والنجاح مانقلته بعض المصادر عن الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر، الذي يقول: إن حكم مصر قبل انتشار الإذاعات الموجهة كان أسهل من حكمها بعد انتشار الإذاعات. أما لماذا نجحت تلك الإذاعات في الدول العربية فإن أهم سبب وصلت إليه بعض الدراسات أن ثقافة العرب سماعية، فهم يتأثرون ويميلون إلى السماع أكثر من القراءة على سبيل المثال. خلال قرائتي اطلعت على ثلاثة أبحاث حاولت استكشاف دوافع العرب في السماع لتلك الإذاعات الموجهة، وجدت تلك الأبحاث أنه في حال الحروب فإن معدل الاستماع يزداد بسبب الرغبة في الإطلاع على مزيد من الاخبار أو وجهات النظر الأخر حول الأحداث الدائرة، كما أن مصداقية بعض الإذاعات مثل إذاعة البي بي سي جعلت منها مصدراً موثوقاً ومهماً للأخبار، لدرجة أن أي خبر تبثه المحطات المحلية

المصدر: http://www.dw-world.de

ولاتبثه البي بي سي، فإن بعض المستمعين لايعتبره خبراً موثوقاً. اتخاذ الاستماع إلى الإذاعة هواية كان أحد دوافع الاستماع، كما أن هدف التعلم من تلك الإذاعات وخصوصاً في المجتمعات الأمية، وجدته تلك الدراسات أحد أهم الدوافع. وجدت أيضاً أن الاعتراض هو أحد دوافع الاستماع، لكنني لم أستطع فهم ذلك.

محتوى تلك الإذاعات كان متنوعاً، فإلى جانب الأخبار التي كانت هي المادة الرئيسة ووصلت إلى ٤٦٪ في بعض الإذاعات، فإن تلك الإذاعات كان تبث الموسيقى، والبرامج الثقافية، إلى جانب بعض برامج المنوعات. تجدر الإشارة هنا إلى أن أمريكا مثلاً وجدت أن للإذاعات الدينية تأثيراً قوياً فيما يتعلق بالدبلوماسية العامة، ولذلك فقد استثمرت امريكا في هذا المجال، عن طريق استخدام الإذاعات الدينية لأهداف الدبلوماسية العامة. تاريخياً تعتبر إيطاليا وبريطانيا أولى الدول التي بدأت البث باللغة العربية، فقد بدأت بريطانيا البث باللغة العربية بعد قرابة ٧ أو ٨ سنوات من البث باللغة الإنجليزية، في حوالي عام ١٩٣٨ وكانت اللغة العربية أولى اللغات الأجنبية التي بدأت بريطانيا البث فيها. الاتحاد السوفيتي بدأ البث بالعربية ١٩٤٣، هولندا ١٩٤٨، ألمانيا الغربية ١٩٥٩، نيجيريا ١٩٦٤، مالطا ١٩٧٠، إيران ١٩٧٦، كوريا الشمالية ١٩٧٦، كوبا، السنغال ١٩٨٠، اليونان ١٩٨٣. بالتأكيد هذه بعض الدول وليست جميعها، والقصد هنا إعطاء لمحة تاريخية عن أسماء الدول وتاريخ بداية بثها باللغة العربية. من الطريف أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى حادثة اعتراض “الإخوان” على الإذاعة في السعودية باعتباره وسيلة شيطانية. كما أن بعض المصادر تشير إلى أن دول الخليج وخصوصاً الكويت والسعودية، كانتا تمتلكان أفضل أدوات البث في المنطقة وربما في العالم أجمع، بغض النظر عن استغلالها. كما تشير إلى المصادر إلى أن أحد المذيعين في إذاعة ألمانيا الغربية وهو عراقي اسمه يونس البحري يعتبر من أفضل المذيعين على مستوى الإذاعات الموجهة إلى العرب، بسبب أدائه الانفعالي. من الطريف أيضاً أن أحد المؤلفين الغربيين يكتب بالنص أن البحري، يكاد يتفوق على المذيع الشهير أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب. الحديث عن تلك الإذاعات وعن التشويش الذي كانت تلقاه من بعض الدول العربية حديث ذو شجون. لا أعتقد أنني بحاجة للتعليق على تلك الأرقام والدراسات، فما ذكرته كاف جداً لمعرفة مناخ الإذاعات ذلك الوقت.

بعض المراجع للفائدة:

BOYD, D. 1983. Cross-Cultural International Broadcasting in Arabic. International Communication Gazette

BOYD, D. 1986. International radio broadcasting: technical developments and listening patterns in the developing world. Space communication and broadcasting, 4, 25-32.

BOYD, D. A. 1989. International broadcasting to the Arab world: Cultural, economic and political motivations for transnational radio communication. International Communication Gazette, 44, 107-127.

CLARK, A. M. & WERDER, O. 2007. Analyzing International Radio Stations: A Systems Approach. International Communication Gazette, 69, 525-537.

EL-NAWAWY, M. 2006. US public diplomacy in the Arab world: the news credibility of Radio Sawa and Television Alhurra in five countries. Global Media and Communication [Online], 2.  [Accessed June 4/ 2010].

PINKERTON, A. & DODDS, K. 2009. Radio geopolitics: broadcasting, listening and the struggle for acoustic spaces. Progress in Human Geography [Online], 33. Available: http://phg.sagepub.com/cgi/content/abstract/33/1/10 [Accessed June 3, 2010].

PRICE, M. E., HAAS, S. & MARGOLIN, D. 2008. New Technologies and International Broadcasting: Reflections on Adaptations and Transformations. The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science [Online], 616. Available: http://ann.sagepub.com/cgi/content/abstract/616/1/150 [Accessed June 3, 2010].

RONALDS, F. 1971. The future of international broadcasting. The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science [Online], 398.  [Accessed June 4/2010].

WOOD, J. 1994. History of international broadcasting, Peter Peregrinus Ltd.

WOOD, R. 1979. Language Choice in Transnational Radio Broadcasting. Journal of Communication [Online], 29.

ZOLLNER, O. 2006. A quest for dialogue in international broadcasting: Germany’s public diplomacy targeting Arab audiences. Global Media and Communication [Online], 2. Available: http://gmc.sagepub.com/cgi/content/abstract/2/2/160 [Accessed August 1, 2006].


يونيو 7 2010

زيارة إلى بي بي سي .. أسئلة ومرئيات

لاتكمل صورة بريطانيا لدى العالم إلا باسم البي بي سي. حين يذكر اسم بريطانيا في أي محفل فإن البي بي سي ستظهر في الذاكرة إلى جانب ساعة بج بن وصورة الملكة ربما. لذلك فزيارة البي بي سي أمر مهم ربما لأي مهتم بالجانب الثقافي، وخصوصاً للمهتم في مجال الإعلام. على الرغم من أن أي قادم لبريطانيا يمكنه زيارة هذه المؤسسة العريقة من خلال ٢٣ فرعاً على امتداد الدولة البريطانية. إلا أن ماكنت أبحث عنه هو زيارة متخصصة، لايهم فيها مكان الجلوس ولازيارة استوديوهات، وهو بالفعل ماتم. فبتنسيق من منتدى الإعلاميين السعوديين في بريطانيا، زرت وبعض الزملاء في المنتدى القسم العربي في شبكة البي بي سي البريطانية. من الواضح أن تنسيق الزيارة لم يكن سهلاً. فبعد تأجيل ، طلب المنسقون في البي بي سي من المنتدى أن يرسل أسماء الراغبين في الزيارة، ونبذة مختصرة عن كل شخص، إضافة إلى الأسئلة التي يودون طرحها. هذا الاستقبال المتحفظ  ربما يوحي بشخصية البي بي سي بشكل كامل وليس الموظفين في القسم العربي لوحده. رغم هذه الغرابة في التنسيق ، فقد استطعنا اللقاء بالصف الأول من العاملين في القسم العربي سواء في التلفاز أو الإذاعة أو الانترنت.

بطاقة الزيارة

حرارة الأسئلة قابلها تحفظ شديد من المدراء في الشبكة. إذ طلبوا ابتداءً عدم تشغيل أي أجهزة تسجيل، إضافة إلى وجود سكرتيرة كانت تكتب النقاط الأساسية في الحوار الدائر. كما  أن كل إجابة من طرف البي بي سي كان يسبقها نظرة إلى رئيس قسم الشؤون الإعلامية جهاد بلوط لمعرفة رأيه ربما.  وعلى الرغم من ذلك كله فقد كان أدب أولئك المدراء وسعة إطلاعهم قد أنساني مشقة التنسيق والسفر إلى لندن. بدأ تدفق المعلومات حول البي بي سي من سؤال أحد الزملاء عن برنامج تم إيقافه دون سابق إنذار. بحسب المسؤولين فإن ذلك البرنامج كان برنامجاً تجريبياً، كما أن نجاح البرنامج في الفترة التجريبية لايكفي لاستمراره وإنتاجه بشكل رسمي، لأن هناك اعتبارات عديدة يضعها منسقو البرامج، من أهمها تكلفة البرنامج المادية والوقت المستهلك في إنتاجه. فنجاح برنامج ما مع ارتفاع تكلفته، كفيل بإيقافه وتوزيع تكلفته على برامج أخرى تخاطب جمهوراً أكثر مع تكلفة أقل.

بدا لي أيضاً أن هاجس التطوير والبحث عن جمهور مختلف، من الأشياء التي تشغل العاملين في القسم العربي من المؤسسة البريطانية العريقة. تشير دراسات البي بي سي إلى أن متوسط الفئة العمرية لجمهور القسم العربي هو ٣٥ عاماً. الذي يعني أن القسم العربي بوسائطه المتعددة لم يستطع مخاطبة الشريحة الأكبر في العالم العربي وهم الشباب.

من الأشياء التي أعجبتني أثناء حديث رئيس التحرير في البي بي سي العربية، حرص المؤسسة على تدريب موظفيها قبل وأثناء العمل. فالمراسل التلفزيوني لديهم يجب أن يأتي إلى لندن ويتدرب في  مقر المؤسسة، كما يجب أن يطلع على الأدوات المستخدمة في البث حتى يستطيع معرفة الإمكانات وماسيكون عليه عمله بعد إرساله. المدير ذاته يشير إلى أهمية اختيار المراسل، لأنه عين البي بي سي في الدولة أو المدينة، وهم يثقون به ثقة تامة توازي ثقتهم بوكالات الأنباء الشهيرة.

دار الحديث أيضاً عن حيادية البي بي سي المثيرة للجدل. على الرغم من أني حاولت أن أعرف كيف تقاس أو تضبط الحيادية التي ينتهجونها، إلا أن الإجابة كانت متكررة من عدة أطراف. الحيادية في نظر البي بي سي هي إعطاء فرصة متساوية لجميع الأطراف. لم أقتنع كثيراً بحديثهم عن الحيادية. لأني أجد أن الحيادية أمر مستحيل في أي مؤسسة إعلامية وإعطاء فرصة متساوية للأطراف هو جزء من الحيادية. ولأدلل على استحالة تطبيق الحيادية في البي بي سي ذاتها. فإن المتابع لتغطية البي بي سي العربية لأسطول الحرية التي ضربته إسرائيل مؤخراً، سيجد أنها تختلف عن تغطية القسم الإنجليزي المحلي لذات الحدث. على سبيل المثال، أحد مقاطع الفيديو التي أضيفت في موقع المؤسسة أثناء تغطيتها، نشر في القسم العربي والقسم الإنجليزي على حد سواء . ورغم أن المصور واحد، إلا أن القسم الإنجليزي مثلاً بث مقطع الفيديو بالكامل، ويوضح المقطع أن أحد أفراد السفينة يضرب أحد الجنود الإسرائليين. وفي الوقت نفسه فإن القسم العربي اقتطع هذا المقطع القصير وأكمل الفيديو. وفي المقابل بدا وكأن أحد المذيعين في القسم الإنجليزي يعمل مدافعاً عن إسرائيل، كما أن القسم الإنجليزي لم يأخذ أي تغطية من داخل غزة مثلاً. هذا يشير إلى أن الحيادية أمر لايمكن تطبيقه ولو في أضيق الظروف. أحد الذين قابلنهم أثناء الزيارة أشار بشكل غير مباشر إلى أن نوع الجمهور قد يكون عاملاً مهماً في طريقة التغطية. فلكل جمهور لغته وطريقته. في رأيي أن هذا الكلام صحيح في غير هذا الموضع، فالحقيقة واحد والآراء يجب أن تقدم بطريقة عادلة لجميع الجماهير، الفرق قد يكون باستخدام الأداة أو الصيغة لاغير.

من الأشياء الجميلة التي قالها أحدهم أثناء الحوار فيما يتعلق بالحياد، إن هناك بعض الأشياء التي تصب في موضوع الحياد، فهناك الإنصاف وهو شيء يصعب تطبيقه وهناك التوازن وهو شيء يمكن تطبيقه وربما هو ماتعنيه البي بي سي في الحياد.

اطلعنا أثناء الجولة على بعض أقسام التحرير، إضافة إلى أحد الاستوديوهات. صغر المكان ذكرني بمقر قناة الجزيرة. وفي المقابل تذكرت بعض الاستوديوهات التي تتعب في المشي فيها ومع ذلك فإن المضمون أقل بكثير من الإمكانات. أثناء الجولة كنت أبحث عن أجزة ماك. واستغربت غيابها حقيقة. لكن ما إن وصلت إلى قسم الجرافكس، حتى ظهرت لي تلك الأجهزة الجميلة . وإلى غير بعيد، كنت أشاهد أحدهم وهو يبحث عن صورة تتعلق بالشأن الإيراني. فتح إحدى الأيقونات على سطح مكتبه وبحث بكلمة واحدة عما يحتاج، خلال جزء أقل من الثانية ظهرت عشرات الصور مع الشرح ومصدر الصورة. تذكرت فوراً ماكنت أعانيه شخصياً أثناء البحث عن صورة في بعض المؤسسات الإعلامية السعودية.

من الأشياء الملفته للنظر، تنوع الجنسيات في المؤسسة، غالب الجنسيات العربية موجودة في القناة، وهو أمر غير مألوف في المؤسسات الإعلامية العربية على الأقل، فسيطرة جنسيات دون أخرى أصبح سمة فارقة في بعض المؤسسات الإعلامية العربية، ولست بحاجة إلى ذكر أسماء.