هل لدراسة تخصص الإعلام مستقبل؟

يتصل بك محبطاً يسألك وقد قرر ابنه ترك قبوله في تخصص المحاسبة ليتجه إلى الإعلام، أو تخصص القانون إلى الإعلام، هل ترى أن لشهادة الإعلام مستقبل؟ 

أعتبر نفسي مؤهلاً للإجابة عن هذا السؤال لعملي في هذا المجال أكاديمياً وممارسة. من المهم الإشارة أولاً إلى أن عدم وجود وظائف في لخريجي التخصص لا يعني بالضرورة مشكلة في التخصص أو تقليلاً من شأنه. من الخطأ أن يحاكم التخصص وفقاً لسوق العمل وحده. 

لسنوات ظل الالتحاق في كليات الإعلام في المملكة حصراً على أولئك الذين لم يسعفهم الحظ بدخول تخصص آخر، الأمر الذي أدى ذلك لرداءة في المخرج في كثير من الأحيان. ما جدوى أن تؤهل طالباً دخل التخصص لأنه فقط يريد ألا يبقى خارج أسوار الجامعة!

 مع ثورة الانترنت والاهتمام بالإعلام باتت كليات الإعلام تحظى بطلاب دخلوا التخصص برغبتهم، متصادمين مع أهاليهم ومجتمعهم. أصبح من الممتع أن تحظى بطالب يناقشك في القاعة حتى لا تحير جواباً، وأن تدرس طالباً ينتظر نهاية المحاضرة لأن سيقدم نشرة الأخبار بعد قليل، وآخر يتلمس هاتفه أثناء المحاضرة ليدير حساب شركة ما في الشبكات الاجتماعية. 

حينما يقرر خريج الثانوية أن يدخل الإعلام برغبته، فهذا مؤشر جيد أن الطالب يرغب في شيء، وهذا بحد ذاته أمر عظيم، فالطلاب في هذه المرحلة يبحثون عن تخصص “يضمن” لهم وظيفة دون شغف بالتخصص.

 

حينما يسألني أحدهم عن نصيحتي هل يدخل الإعلام أم لا، فإن الجواب يكون بنعم إذا أخذ الطالب بأربعة أمور: 

١- يجب أن تدرك أن شهادة الإعلام وحدها لا تمنحك وظيفة بحد ذاتها أياً كان تقديرك، كما أن تخصص الإعلام من التخصصات التي يزاحم في وظائفها تخصصات أبعد ما تكون عن الإعلام، نظراً لكفاءة الشخص في الإعلام وليس شهادته. حينما تبحث عن وظيفة في الإعلام لمجرد أنك تحمل شهادة فيه، فتذكر أن في المملكة أكثر من ٦ جامعات تخرج الآلاف سنويا في هذا التخصص، فما يميزك؟ 

٢-  إذا قررت أن تدرس الإعلام فتذكر أن دراسة الإعلام في مرحلة البكالوريوس تعد من أسهل التخصصات، كما أن عدد الساعات ليس كثيراً. هذا لا يعني أن تدرس وتحصل على معدل عال فقط. عليك أن تبدأ في اليوم الأول من الدراسة في البحث عن أنشطة إعلامية أو أنشطة علاقات عامة تشترك فيها سواء على أرض الواقع أو في الانترنت، ولو كان ذلك دون مقابل. الممارسة أخت التخصص ومطلب مهم. بعد ٤ سنوات سيبحث الناس عنك لتوظيفك ولن تبحث عن وظيفة بإذن الله.

٣-  يجب أن تدرك أيضاً أن ابتعادك عن القراءة هو ابتعاد عن الوظيفة والتميز في مجال الإعلام. لن تحتاج إلى وقت طويل حتى تتعلم كتابة الخبر، أو تحرير مقطع مرئي، أو حتى تنظيم فعالية. لكنك لن تستطيع أن تفعل ذلك بتميز إذا لم تكن تحمل ثقافة واسعة في جميع المجالات. الإعلام ليس تواصلاً فقط، الإعلام ثقافة. مشكلة تخصص الإعلام أنك قد تحصل على شهادته بسهولة لكن ضعف ثقافتك سيجعل منك غير مختص في نهاية الأمر، فحتى التصوير يحتاج إلى ثقافة واطلاع.

٤- لغتك العربية نقطة قوة، وستكون نقطة ضعف إذا أهملتها. ربما يستغرب أن يتحدث أحدهم عن ضرورة تقوية اللغة العربية، في حين أن الناس يتحدثون عن تعلم اللغة الانجليزية. في السعودية اللغة العربية هي اللغة السائدة والجمهور الذي تتوجه إليه هو جمهور يتحدث العربية. ضعفك في اللغة يعني عدم قدرتك على إيصال الرسالة. يحتاج الإعلامي إلى مفردات أكثر تساعده في إيصال الفكرة، وإملاء كذلك. أكره أن أطلب من أحدهم دراسة النحو حتى يطور لغته. الإبحار في كتب الجاحظ مثلاً يغني كثيراً عن النحو.

 

يمكن ملاحظة أن هذه النقاط الأربع لا تتعلق بالشهادة، وإنما تتعلق ببناء الشخصية في سنوات الدراسة خارج أسوار الجامعة. لاتزال فرص الإعلام والعلاقات العامة كثيرة في نظري، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، أو حتى لبداية مشروع تجاري. لكن المشكلة في ندرة الكفاءات الذين يمكن أن يعتمد عليهم. 

 

 

كليات الإعلام بين التكيف والخروج من الميدان: هل تعليم الصحافة في مأزق؟

هذه الترجمة منشورة في مجلة الفيصل عدد يناير ٢٠١٧

الحديث‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬كليات‭ ‬الصحافة‭ ‬لا‭ ‬يتوقف،‭ ‬والجدل‭ ‬حول‭ ‬أفكار‭ ‬التطوير‭ ‬يتنامى‭. ‬بين‭ ‬إغلاق‭ ‬كليات‭ ‬الإعلام‭ ‬ودمجها‭ ‬مع‭ ‬تخصصات‭ ‬أخرى،‭ ‬وبين‭ ‬تغيير‭ ‬مناهجها،‭ ‬مناهج‭ ‬متشعبة‭ ‬للتطوير‭ ‬والتماشي‭ ‬مع‭ ‬التغير‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬الإعلامية‭. ‬هذه‭ ‬الترجمة‭ ‬لملخص‭ ‬كتبه‭ ‬هاورد‭ ‬فينبيرغ‭ ‬لدراسة‭ ‬أصدرتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬بوينتر‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الإعلامي‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬التعليم‭ ‬الإعلامي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ملخص‭ ‬نتيجة‭ ‬دراسة‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬عن‭ ‬سمات‭ ‬صحفي‭ ‬المستقبل‭ ‬ومهاراته‭. ‬

الأمر المرعب في حالات الارتباك أنك لا تدري إلى أين تتجه. قبل أربعين سنة لم نكن ندرك أن ظهور أول هاتف محمول سيقود إلى الحاسبات المحمولة أو الهواتف الذكية. قبل عشرين سنة لم نكن ندرك أن موقع أمازون سيغير عملية البيع بالتجزئة. قبل عشر سنوات لم يكن هناك فيس بوك أو تويتر. هذا يجعلنا لا نعرف إلى أين ستقودنا هذه الابتكارات. كل ما نعرفه هو أن مستقبل تعليم الصحافة في موضع حرج لسببين:

أولًا أن الوقت ينفد: حالات الإرباك المنبعثة من الاقتصاد والتقنية إلى الجامعات تسير بشكل أسرع مما يدركه العاملون في الجامعات. ثانيًا أن التعليم الصحافي سيمر بتحولات جوهرية: فيما يتعلق بتدريس الصحافة ومن يدرسها: أولئك الذين لا يبتكرون في الصفوف الدراسية ستتجاوزهم القافلة، تمامًا كحال الذين يتوقفون عن الابتكار في غرف الأخبار.

طيلة عام ونيف والنقاش محتدم حول مستقبل التعليم الصحافي؛ أكاديميون، وقادة مؤسسات، وصحافيون عاملون، لا يزالون يتناقشون عن مستقبل التعليم الصحافي وماذا سيكون عليه، كما نتناقش نحن عن مستقبله الآن.

وقود هذه النقاشات جزئيًّا كان بسبب استبانة وزعتها Poynter’s News University في ربيع ٢٠١٢م للتجهيز لحديث ألقيته في مركز الصحافة الأوربية. أنا محبط، لكني لست متفاجئًا بأن آراء المعلمين والعاملين في الحقل الصحفي لم تتغير كثيرًا بعد سنة من الاستبانة.

استبانة جديدة وزعت لاحقًا (عام 2013م) بينت أن لا تغير في مواقف المجموعتين من الأساتذة والعاملين في الحقل الصحافي. من خلال استبانة وزعت بالتساوي بين المجموعتين وكان عدد المستجيبين ١٨٠٠؛ تبين أن هوة واسعة بمقدار ٤٠ نقطة لا تزال تفصل بين آراء المجموعتين. اليوم ٩٦٪ من أولئك الذين يصنفون أنفسهم على أنهم أساتذة في الصحافة، لا يزالون يعتقدون أن الحصول على الدرجة العلمية في الصحافة (ضروري) إلى (حاسم جدًّا) حينما يتعلق الأمر بفهم قيمة الصحافة. ما لم يتغير أيضًا أن العاملين في المجال الصحافي لديهم رأي مختلف؛ إذ يرى (٥٧٪) منهم أن الدرجة العلمية في الصحافة (ضرورية جدًّا) إلى (حاسمة) حينما يتعلق الأمر بفهم قيمة الصحافة. وهذا ما لم يتغير عن نتائج استبانات العام الفائت (2012م).

أيضًا ما لم يتغير في الاستبانتين هي تلك الفجوة بين آراء أساتذة الإعلام والعاملين في ميدان الصحافة حول أهمية الدرجة العلمية في الصحافة فيما يتعلق بالقدرة على جمع الأخبار وتحريرها وتقديمها. كل المستجيبين –تقريبًا- من أساتذة الإعلام (٩٨٪ منهم) يرون أن الدرجة العلمية (مهمة جدًّا) إلى (حاسمة) حينما يتعلق الأمر بمهارات جمع الأخبار. أما (٥٩٪) فقط من العاملين في الميدان الصحفي فيرون نفسه. في المقابل واحد من كل خمسة من العاملين في الميدان يرى أن الدرجة العلمية في الصحافة (غير مهمة على الإطلاق) في اكتساب المهارات الصحفية، أو (مهمة قليلًا) فيما يتعلق بجمع الأخبار.

إذن: هناك قطيعة واضحة بين الصحفيين ومجتمع الأكاديميين. وعلى الرغم من ذلك فإن أساتذة الإعلام قلقون أيضًا من عدم مواكبة كليات الصحافة للتغيرات في المهنة.

٣٩٪ من أساتذة الصحافة يقولون: إن كليات الصحافة إما أنها قلما تواكب تغيرات الصنعة الإعلامية، أو أنها لا تواكبها على الإطلاق. قادة غرف الأخبار والعاملون فيها كانوا أكثر حدة في هذا؛ إذ يرى (٤٨٪) منهم أن الدراسة الأكاديمية لا تتواكب مع الصناعة الصحفية.

أما حينما يتعلق الأمر بأهمية الدرجة العلمية في الصحافة للحصول على الوظيفة فإن الفجوة بين أساتذة الإعلام والعاملين في الميدان أصغر؛ إذ يرى أكثر من نصف الأساتذة (٥٣٪) أن الدرجة العلمية في الصحافة مهمة جدًّا للحصول على وظيفة في المجال ذاته، في حين أن (٤١٪) من العاملين في الميدان يشاركونهم الرأي.

غير أن (٣٨٪) من أولئك الذين يصنفون أنفسهم على أنهم من العاملين في الصحافة لحسابهم الخاص يرون أن الدرجة العلمية في الصحافة مهمة للحصول على وظيفة في المجال نفسه. وهذا يعني أن مقارنة النتائج تشير إلى عدم تغير المواقف في الاستبانتين؛ وعليه فنحن بحاجة لمضاعفة جهودنا في إعادة التفكير في تعليم الصحافة.

«قلت في العام الماضي: إن مهنة تعليم الصحافة لا تستطيع أن تجد طريقها بنفسها إلى المستقبل. هذا لا يزال صحيحًا».

المهم هنا أن الشهادات العلمية في الصحافة أصبحت في خطر بأن ينظر إليها على أنها لا علاقة لها بالواقع. يمكن إدراك ذلك من وجود توجه نحو إغلاق برامج الصحافة الدراسية أو دمجها في برامج اتصالية أوسع؛ كما هي الحال في عدد من الجامعات. دعوني أؤكد على هذه النقطة المهمة: أنا قلق على الدرجات العلمية في الصحافة والبرامج التعليمية أيضًا أكثر من قلقي على مستقبل الصحافة وإلى حد ما التدريب الصحفي.

الأمر المربك الذي تواجهه الكليات والجامعات أن قيمة الدرجات العلمية في انخفاض، حتى في الوقت الذي يبقى فيه التعليم والتدريب مهمًّا لمستقبل الأفراد. في المستقبل القريب أعتقد أن مؤسساتنا التعليمية ستواجه تحديًا في إقناع الطلاب وآبائهم بأن التعليم التقليدي لا يزال ذا قيمة. إدارات الكليات -كما نظرائها في الصناعة الإعلامية- يواجهون معضلة واحدة. التعليم الإلكتروني والرقمي المقدم بأسعار منافسة قد يكون طريق النجاة الوحيد. على أية حال هذه هي البداية فقط.

الإربـــــاك

القوى التي تهدد الصناعة الإعلامية حاليًا هي القوى نفسها التي تهدد اقتصاد الجامعات الحكومية والخاصة. المؤسسات الإعلامية التقليدية كانت بطيئة في إدراك أن طريقتها في العمل ستتأثر سلبًا بالتقنية، وكانت بطيئة في إدراك أن الإنترنت ستحول عملهم الثمين إلى شيء عديم القيمة أو قليلها. كانت الأخبار فيما مضى سلعة ثمينة لندرتها. بفضل الإنترنت تحولت الندرة في الأخبار إلى وفرة. قدمت الإنترنت منافذ ومنصات جديدة للجمهور للحصول على الأخبار والمعلومات. الأمر نفسه -كما أعتقد- يحدث في التعليم.

المزيد من الآباء والطلاب والمسؤولين الحكوميين، إضافة إلى خبراء التعليم، يتساءلون عن الحكمة من إنفاق مئات الألوف على تعليم لا يمنح عائدًا اقتصاديًّا واضحًا. هذا التحدي لا يتعلق بالتعليم الصحفي وحده، بل بالفكرة الكبرى، وهي مسألة الجدوى من التعليم الجامعي برمَّته. في المتوسط فإن فوائد التعليم الجامعي تتجاوز تكلفته، لكنَّ تقريرًا أصدره معهد بروكينغز للدراسات في شهر مايو عام ٢٠١٣م قال: إن الاستثمار في درجة البكالوريوس لا يعد استثمارًا ذكيًّا لكل الطلاب باختلاف أحوالهم؛ لأن هناك عواملَ عدةً تؤدي دورًا في هذا الاستثمار؛ منها: تكلفة الدراسة، وشخصية الطالب، والتخصص الذي يختارونه، وإمكانية تخرجه. كل هذه العوامل تمثل دورًا في الحكم على قيمة الاستثمار في الدراسة الجامعية.

«الكلية ليست شيئًا واحدًا متجانسًا (عند كل الطلاب)، والدرجة العلمية ليست تذكرتك الموصلة إلى العمل»؛ هكذا صرحت إيزابيل سوهيل من معهد بروكينغز لمحرر الشؤون التعليمية في صحيفة سان فرانسيسكو تشرونيكل. «توجد أنواع متعددة من التذاكر، بعض هذه التذاكر لا تأخذك إلى أي مكان».

العوامل سالفة الذكر تؤدي دورًا حتى عندما يكون الإقبال على الالتحاق بأقسام الصحافة والاتصال مرتفعًا بشكل محرج، والتوظيف التقليدي في المؤسسات الصحفية في أدنى مستوياته. حينما يتعلق الأمر بقيمة الاستثمار في دراسة تخصص الصحافة فإن هذا التخصص أقل قيمة مما كان عليه سابقًا.

tvsالتحول التقني

ما ستفعله كليات الصحافة وبرامجها لمواجهة هذا التصور خلال الأعوام المقبلة سيكون حاسمًا. الوقت ليس في صالح المؤسسات العريقة في عصور الابتكار، أما المبتكر (المربك) فالوقت والزخم يصبان في مصلحته.

المبتكَر  المربِك(1)، في صناعة الأخبار يعني أن الصحافة باتت تُصنع وتُوزع في منصات جديدة على أيدي صحفيين مستقلين. هذا يعني أيضًا أن الصحافة باتت تُصنع خارج نموذج مؤسسات الصحافة التقليدية ذات الطابع التجاري.

يجادل إيرك نيوتن من مؤسسة نايت بأنه: «لتدريس الإعلام في العصر الرقمي يجب عليك أن تُدرِّس الإعلام والعصر الرقمي وكيفية استخدام الأدوات الحديثة في إنجاز الأعمال الإعلامية». يشير نيوتن أيضًا إلى أن الكليات التي أخذت هذا الأمر بجدية باتت تكبر ولا تتضاءل.

التعليم الإلكتروني من أبرز خيارات طرق التدريس الجديدة حتى في كليات الصحافة ذات الأبنية العتيقة. يمكن لكليات الإعلام تجربة طرق أخرى مثل:

● معامل الابتكارات كتلك التي توجد في كلية والتر كرونكايت للصحافة ووسائل الاتصال الجماهيري في جامعة أريزونا الحكومية.

● برامج التعليم التي تمزج بين التعليم الإلكتروني والتعليم التقليدي داخل الصف.

● الحصص التي تُناقَش فيها مواد التدريب الموجودة على الإنترنت بدلًا من مناقشة المحاضرات.

تحاول الكليات أيضًا تجربة بعض الابتكارات الأخرى التي قد لا تكون ناجحة. تتبادر إلى الذهن طريقتان منها: التعليم الضخم المفتوح على الإنترنت (MOOCs)، والشارة الرقمية (Digital Badge)(2) الغالبية العظمى من أساتذة الصحافة -أي ما يعادل (٨٤٪) منهم- يقولون: إنهم يعرفون قليلًا عن منصات التعليم المفتوح (MOOCs)، لكن (٢٢٪) فقط منهم يرون أنه ينبغي تدريس الإعلام عبر هذه المنصات. أكثر من هذه النسبة -أي ما يقارب أكثر من الثلث- من المبحوثين المشاركين في الاستبانة قالوا: إنهم يرغبون في تدريس الإعلام عبر منصات التعليم المفتوح، فيما قالت نسبة مشابهة: إنها غير متأكدة من رغبتها في ذلك، وقال (٢٨٪) منهم: إنهم غير راغبين في التدريس عبر هذه المنصات.

أسئلة وشكوك

عدد من الأسئلة الكبيرة والشكوك تدور حول فاعلية هذا النوع من التعليم عبر المنصات المفتوحة. أنا شخصيًّا أشك في قوة هذا النوع من التعليم، وخصوصًا أن نسب الانسحاب من المقررات في هذه المنصات قد تصل إلى (٩٠٪). لكن يبدو أن هذه النقطة لا تمثل مشكلة في تدريس الإعلام في هذه المنصات. هذه الطرق في التعليم مفتوحة للعامة ومجانية، وفي بعض الأحيان يود الناس معرفة ماذا يُدَرَّس فقط. طرق التعليم المفتوح هذه (MOOCs) قيّمة؛ لأنها تمنحنا الفرصة للتجربة. هذه الطريقة في إيصال المعلومة تساعدنا في استكشاف طرق جديدة في التعليم باستخدام التكنولوجيا. نحن بحاجة إلى معرفة الطرق الناجحة في ذلك ولماذا كانت كذلك.

جربت جامعة سان خوزيه الأميركية الحكومية طريقة التعليم المفتوح (MOOC) في خمس مواد، وتعلمت منها دروسًا قاسية حينما قامت بتدريس المواد بشراكة مع منصة التعليم المفتوح (Udacity) عبر هذه المنصة جربت الجامعة تدريس مبادئ الإحصاء، والجبر، ومقدمة في البرمجة، والرياضيات الأولية، إضافة إلى علم النفس. وعلى الرغم من أن نسبة إكمال هذه الدروس بلغت (٨٣٪) إلا أن غالبية الطلاب تعثروا في اختبارات هذه المواد النهائية بنسب كبيرة تتراوح بين (٥٦٪، و٧٦٪).

وعلى الرغم من أن الجامعة أوقفت تجربة التعليم عبر هذه المنصة إلا أنني أعتقد أن الحكمة الحقيقية جاءت على لسان سباستيان ثورن الرئيس التنفيذي لمنصة (Udacity) الذي كتب في مدونة الشركة ما نصه:

«في تجربتنا عَلِقنا في إطار التعليم التقليدي الذي يلتزم بخمسة عشر أسبوعًا للفصل الدراسي، بينما يمكن أن يكون ذلك مجديًا للطلاب الذين يدرسون بدوام كامل داخل الجامعات، فإننا نعلم الآن أن هذا لا يمكن أن يناسب كل دارس. فكما وسّعنا قاعدتنا في استيعاب الطلاب، فكذلك يجب أن نوسع منظورنا فيما يكون عليه معنى الفصل الدراسي. تخيل عالمًا يكون بمقدورك فيه أن تدرُس هذه المواد مؤجلة، بما يتناسب مع سرعتك وأوقات تسليم الأعمال لديك وجداولك، أو في الأوقات التي يمكن أن تستخدم فيها حاسوبك، أو بحسب جدول دراستك الثانوية». هذه هي روح الشركات الناشئة: إطلاق، فشل/ تعلم، تكرار العملية وإعادة الإطلاق، وهكذا.


تغيير المهارات، وتغيير الصحفيين

كتب الكثير حول آلاف الصحفيين المستقلين الذين أنشؤوا منافذ إخبارية وفرصًا جديدة. وكتبنا بشكل مكثف حول الأدوات التي يحتاج الصحفيون إلى استخدامها في هذه البيئة المتغيرة باستمرار. على أية حال الأمر المجهول نسبيًّا هو الحاجات المحددة التي سيحتاج الصحفيون إليها ليكونوا ناجحين في المستقبل. ثُلُثا أساتذة الصحافة (٦٦٪) الذين أجابوا عن الاستبانات يؤمنون أن كلياتهم وأقسامهم تتجاوب لتغيير المناهج، وهذه نتيجة مبهجة؛ لأن التعليم الإعلامي يمكن أن يكون ذا صلة بالواقع إذا أخذ زمام المبادرة في التنبؤ بالمهارات التي ستكون مطلوبة، إضافة إلى التأكد من تعلم الطلاب تلك المهارات.

لكن هذه النتيجة تطرح أيضًا سؤالًا عن سبب غياب التجارب؛ هل الكليات منفتحة على التغيير لكنها لا تعرف فعل ذلك؟

جزء من إعادة التفكير الإستراتيجي يتمثل في سد الهوة بين الأساتذة والمهنيين، وهذا ربما يعني التخلي عن التفكير الحالي فيما يُدرس في الصفوف والتساؤل عن  التعليم الإعلامي. وما المهارات والاستعدادات والمعارف التي تجعل الصحفي ناجحًا في المستقبل؟ يمكننا جميعًا تخمين ذلك، لكننا لا نملك كثيرًا من البيانات التي يمكن النظر فيها لمساعدتنا. لذا فقد قمت أنا ومنتجة (NewsU) لورين كلينغر بتصميم استبانة عن المهارات اللازمة لمستقبل الصحافة، نطلب فيها من أساتذة الإعلام والصحفيين مساعدتنا في إيجاد المهم في أربعة مجالات:

أولًا: المعرفة، والاستعدادات، والخصائص الشخصية، والقيم.

ثانيًا: مهارات جمع الأخبار.

ثالثًا: مهارات الإنتاج الإخباري.

رابعًا: المهارات الفنية للوسائط المتعددة.

لم نكن نعرف ما الذي سنخرج به من هذه الاستبانة قبل ظهور النتائج، لكني توقعت أننا على الأقل سنخرج ببعض الأفكار التي ستساعدنا على إعادة التفكير في ماهية تعليم الصحافة. أما ما نعرفه فهو كافٍ لدفعنا نحو العمل على إعادة ابتكار مستقبلنا:

● نحن نعرف أن التقنية مربكة للطريقة التي يُؤدَّى بها التعليم.

● نعرف أن التقنية مربكة لاقتصاديات التعليم.

● ونعرف أن الصحافة تتغير أسرع بكثير من التعليم الصحفي.

الأمر ليس متأخرًا جدًّا على إعادة رسم تعليم الإعلام، لكن الوقت ليس في صالحنا. أعرف أساتذة كثيرين سيعانون من فكرة التوقف عن جزء من شيء يحبونه مثل التدريس داخل الفصول، كما أن آخرين سيعانون من تعلم تقنيات ومناهج جديدة لمهنة الصحافة. التعاطي مع الأمور المربكة يعني أننا إما أن نبكي على الماضي وإما أن نعمل معًا لنعيد ابتكار المستقبل.

 

 

الجداول التالية توضح نتائج الدراسة وترتب المهارات والسمات التي يجب أن تتوافر

في صحفي المستقبل بحسب رأي الصحفيين وأساتذة الإعلام

 

جدول (1): المهارات الأساسية لصحفي المستقبل بحسب أساتذة الإعلام والمهنيين

جدول (2): المهارات الأساسية لصحفي المستقبل بحسب أساتذة الإعلام والمهنيين

جدول (3): المهارات الأساسية لصحفي المستقبل بحسب أساتذة الإعلام والمهنيين

جدول (4): المهارات الأساسية لصحفي المستقبل بحسب أساتذة الإعلام والمهنيين

————————————

هوامش:

(1)- المبتكر المربك، يقصد به ذلك النوع من المبتكرات الذي يغير وجه السوق محدثًا توجهًا جديدًا أو تغييرًا جذريًّا فيه. ترجمة المصطلح جاءت بعد نقاش مع عدد من المهتمين في هذا الموضوع.

(2)- الشارة الرقمية هي توجه عالمي للاستعاضة عن الشهادات الأكاديمية بمجموعة من المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، ويحصل مَنْ يتمكن منها على هذه الشارة».

 

الحملات الاجتماعية في الانترنت السياق والنظريات

قدمت هذه المحاضرة يوم الاثنين ١٥-١- ١٤٣٨ ضمن اللقاء العلمي لكلية الإعلام والاتصال في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. تتحدث هذه المحاضرة عن الحملات الاجتماعية في سياق التحول في الاتصال ضمن مفهوم Network Society.بعد ذلك تركز المحاضرة على تأثير التغيرات في الاتصال على الحملات الاجتماعية تحديداً، ثم تعرض المحاضرة نظرية The Logic of Connective Action هذه النظرية قدمها Lance Bennett and Alexandra Segerberg  في ورقة منشورة بعنوان: The logic of connective action: Digital media and the personalization of contentious politics .

ثم تلاها عدة أوراق وردود علمية أخرى في ذات السياق، من ضمنها Organization in the crowd: peer production in large-scale networked protests التي كتبها Bennett و Segerberg بمشاركة Shawn Walker

مادة جديدة في جامعة USC تعلم الطلاب إنتاج قصص إخبارية مخصصة للشبكات الاجتماعية

النص الأصلي 

الكاتب: 

ترجمة: عبدالله أبا الخيل

مقطع فيديو يشبه تلك التي يمكن أن تراها في موقع بزفيد أو مايك: امرأتان، إحداهما ناطقة بالأسبانية وأخرى بالعربية، تُسألان عن نطق كلمات مختلفة بلغاتهما الأصلية. الكلمة الإنجليزية (pants)؟ بنطلون باللغة العربية، وبنتلونس باللغة الأسبانية. كلمة (shirt) الإنجليزية؟ قميص باللغة العربية، وكميسا باللغة الأسبانية. المرأتان، كما بقية المشاهدين، مندهشتان من التشابه بين الكلمات، فيما يمضي الفيديو يشرح تاريخ اللغتين ولماذا تتشابهان

هذا الفيديو على أية حال، لم تنتجه مؤسسة إخبارية محترفة، بل أنتجه طالبان من كلية انبيرغ للاتصال والصحافة في جامعة ساوثرن كاليفورنيا جزءً من متطلب مادة جديدة لتعليم الطلاب إنتاج مقاطع فيديو وطرق أخرى لرواية القصة الخبرية تناسب بيئة الشبكات الاجتماعية والشبكات الحديثة.

بدأت المؤسسات الإعلامية في إنتاج قصص إخبارية لمنصات الشبكات الاجتماعية مثل انستغرام وسنابشات، إضافة إلى تجربة إنتاج قصص إخبارية بقوالب حديثة مثل قوالب الفيديو الافتراضية شبه الحقيقية، مثل (360-degree virtual reality video). تأمل الجامعة في المادة الجديدة أن تقرب طلابها من الطرق الحديثة لإنتاج القصص الإخبارية في عالم الإعلام.

تقول أمارا أغيلار أستاذة الإعلام الجديد التي تشارك في تدريس المادة “لقد رأينا الحاجة لإنتاج محتوى مخصص للشبكات والجوال، عوضاً عن مقاطع الفيديو المخصصة للنشر على الانترنت بشكل عام”. تواصل أغيلار حديثها قائلة “أحسسنا بالحاجة لجذب جمهورنا بشكل أكثر والتركيز على الإنتاج لمنصات إعلامية مختلفة وجمهور محدد”. الصحافة للجوال والمنصات الحديثة (Journalism for Mobile and Emerging Platforms)، هكذا أسمت الجامعة المادة التي يطلق عليها اختصاراً JEDI لأن الاختصار EMPD ليس سهل النطق. تضيف أغيلار “صحيح أننا مهوسون بالتقنية، لكن بروح صحفية رقمية ناشئة ومبتكرة”.

تطوير المادة بدأ في الربيع الماضي حين أعرب أحد الطلاب عن اهتمامه بالتركيز على محتوى الشبكات الاجتماعية. هذا الاهتمام أثمر عن إحداث وحدة في الكلية يُشغّلها طلاب إعلام لإنتاج قصص لتطبيقات مختلفة. عدد كاف من الطلاب أبدوا رغبتهم في المشاركة في الوحدة المنشأة التي قررت الجامعة بدء تدريس مادتها موسم الخريف الحالي. حُدد عدد الطلاب بخمسة عشر طالباً، كما أن عدد الطلاب اكتمل لذات المادة في الفصل المقبل. لكن الأستاذة ربيكيا هاقرتي مستشارة الكلية والمشاركة في تدريس المادة مع أغيلار تقول إن لدينا أيضاً عدد من الطلاب يرغبون في المشاركة الوحدة المنشأة حديثاً. يركز طلاب المادة على إنتاج قصص إخبارية لمنصات إعلامية مختلفة، ويحظون أيضاً بالاستماع إلى متحدثين يتعلمون منهم استراتجية الشبكات الاجتماعية (Social Strategy) إضافة إلى تقنيات جذب الجمهور.

على الرغم من أن مقطع الفيديو السابق عن اللغة الأسبانية والعربية قد اجتذب عدداً كبيراً من المشاهدين خارج نطاق الجامعة USC، إلا أن غالب المحتوى المنتج في الفصل اجتذب رقماً متوسطاً من المشاهدين. عدد منها اجتذب بضعة آلاف منهم، لكن بقية المقاطع المنتجة اجتذبت مئات وربما أقل من ذلك من المشاهدين. غالب المقاطع المرئية المنتجة ركزت على الموضوعات ذات العلاقة بحرم جامعة USC في لوس أنجليس.

بينما تحاول الكلية أن تجعل مقاطعها المرئية مشاهدة، أغلار وهاقرتي تعلمان أن من النادر أن تحظى المقاطع المنتجة بأرقام مشاهدة مثل التي حظي بها الفيديو الذي يبين أوجه التشابه بين الأسبانية والعربية. تقول هاقرتي “من الطريف أن تشهد مقطعاً مرئياً يحظى بمشاهدة عالية، دائماً مايبدو الأمر لغزا”. تواصل هاقرتي حديثها قائلة “ننظر إلى التحليلات، لكننا نشعر أن وظيفتنا نحن المدربين أن نقول لا يتعلق الأمر بجعل المحتوى يحظى بشعبية، لكن بالبحث عن الجمهور والتفاعل معهم. إضافة إلى معرفة كيف ينظر الجمهور إلى المحتوى الذي تنتجه”. “جيد أن يكون النمط جديداً ومختلفاً قليلا، لكن هناك مبادئ لاتزال قائمة: فيديو قوي، قيم إنتاج جيدة، قصص شيقة ومنفذة بجودة”.

وحدة الصحافة للجوال والمنصات الحديثة تنتج سلاسل من المقاطع المرئية مثل 60SC وهو موجز إخباري مدته ٦٠ ثانية يمس قضايا الحرم الجامعي بشكل عام. مثل نتيجة استطلاع الاعتداءات الجنسية في الجامعة، وعرض شركة الأجرة أوبر لطلاب الجامعة توصيلهم مجاناً آخر الليل داخل الحرم الجامعي.

مشروعات الوحدة أيضاً تغطي الأخبار العاجلة. حينما خرج طلاب الجامعة في مظاهرة تضامنية مع المتظاهرين في جامعة ميزوري، فإن الطلاب في الوحدة كانوا هناك لتغطية المظاهرة عبر تطبيق بيرسكوب. في اليوم التالي للهجوم الإرهاببي في باريس الشهر الماضي، وصل أحد الطلاب إلى طالب من الجامعة كان يدرس هناك في باريس وأجرى معه مقابلة نشرها في الفيسبوك واليوتيوب.

مثل هذه الأحداث غطاها بعض طلاب الكلية لوسائل إعلام مختلفة، لكن هذه التغطيات مثل ٦٠ ثانية أنتجت خصيصاً لمنصات مثل الفيسبوك واليوتيوب، وبشكل مقصود جعلت قصيرة المدة، مع كتابة للنصوص المنطوقة، لأن معظم المشاهدين حينما يشاهدون هذه المقاطع على هواتفهم المحمولة فإن هواتفهم قد تكون معطلة الصوت.

تقول أغيلار “ربما من الممكن أن تستخدم بعض هذه المقاطع في أكثر من شبكة اجتماعية، لكننا نفكر كيف يمكن أن تقدم هذه القصص على شبكة اجتماعية محددة، وهذه إحدى الأسباب التي تجعل المحتوى يعمل بشكل جيد” أحد أهداف كلية انبيرغ للاتصال والصحافة، استخدم المنصات المختلفة لتدريس الطلاب أفضل المهارات والممارسات لأداء هذا النوع من الصحافة.

تشير هارقرتي إلى أن الناس قد تقول إن هذا النمط هو نمط بزفيد في المقاطع المرئية، لكن النقطة التي أريد أن أؤكد أثيرها هنا أن هناك طرق أخرى لحكاية القصة الإخبارية. وتواصل حديثها قائلة “نحن ندرس الطلاب مجموعة من المهارات، وهذه إحدى الطرق لتقديم القصص الإخبارية. بعض الأعمال مثل فيديو التشابه بين اللغة الأسبانية والعربية هي طريقة أخرى لعرض ماكنت ستعرضه لو كنت في وقت آخر، مكتوباً أو معداً على هيئة فيديو كامل أو على شكل تقرير”.

السعوديون في غياب الصحافة والمتحدث الرسمي

في المجتمعات الحديثة والدول مترامية الأطراف، تكون الصحافة فضاء عاماً، يعرف الناس بها أخبار بعضهم ويناقشون قضايا مجتمعهم. في هذه المجتمعات أيضاً تقوم الصحافة بدور الرقيب، تسلط الضوء على مكامن الخطأ ومواطن الخلل. تبدو هذه النظرة مثالية يستحيل تطبيقها بشكل كامل. دون جدال، فإن ممارسات الصحف، بما فيها الالكترونية، تقترب وتبتعد عن هذه المثالية لظروف كثيرة. في مجتمعنا السعودي، تقترب الممارسة الصحفية من هذه المثالية أحياناً وتبتعد في أحايين كثيرة، نتيجة لعدد المتحكمين في هذه الممارسة وتوجهاتهم الفكرية والقيود السياسية والعلاقة بالمعلن. كانت الصحف على علاتها تحظى بمقروئية ومتابعة. كما أن كثيراً من موضوعاتها المهمة لاتكتمل إلا بتصريح المتحدث الرسمي للجهة المعنية الذي قد يتجاهل الرد على الصحف لحاجات في نفس مؤسسته. مؤخراً قدم الانترنت فضاء جديداً للناس، تخلصوا فيه من سيطرة أشخاص على توجيه الفضاء العام. باتت القضايا التي يطرحها الناس أكثر سخونة، وأقرب ملامسة لهموم الناس الثقافية والاجتماعية. الأجمل من هذا تفاعل أصحاب القرار. يستطيع القارئ أن يستذكر مواقف كثيرة من هذا التفاعل.

الصحافة في عصر الانترنت:

في هذه الفترة الانتقالية استقرت الصحافة والإعلام على مجرد الممارسة الصحفية البحتة، والاتجاه كثيراً إلى الكتابة عما يدور في الفضاء العام الذي اتجه إليه الناس، ونسيت أن تكون فضاء اجتماعياً مفتوحاً. من الشائع في الممارسة الصحفية السعودية رؤية عناوين على طريقة (مقطع فيديو على الانترنت يثير ..) و(مغردون يطالبون..)، كتبت عنها سابقاً. إضافة إلى نشرها لأخبار العلاقات العامة التي تصدرها الدوائر الحكومية والشركات التي تصل إلى ٤٠٪ من محتوى تلك الصحف بحسب دراسة علمية. هنا يبدو جلياً أن إشكالية الصحف السعودية ليست في التحول إلى العالم الرقمي بالشكل التقني، وإنما في التحول إلى العالم الرقمي ممارسة واقترابا من التغيرات الاجتماعية. مقابل هذه الممارسة التقليدية يظهر الانترنت فضاءً اجتماعياً وبيئة صحافية تعيش مع الناس وتتيح لهم القيام بأدوار الصحافة التي سبقت الإشارة إليها.

ألفا ستيم في فضاء الانترنت:

في أحايين كثيرة تصنع الأحداث الاجتماعية في فضاء الانترنت، وتنقلها بانتقائية الصحف التقليدية، وتلك التي تدعي أنها الكترونية. لا أجد أفضل من قضية جهاز ألفا ستيم التي أثيرت عبر ممارسة صحفية احترافية على الانترنت مقابل تجاهل تام من الصحف التقليدية ومعظم نظيراتها الالكترونية.

كتب الدكتور متعب حامد في مدونته مادة صحفية احترافية وثق فيها ادعاءاته وأدلته عن طبيب سعودي يبيع جهازاً طبياً غير مصرح في عيادته يدعي أنه يعالج أمراضاً نفسية كثيرة، إضافة إلى خروج الطبيب في مادة إعلانية للتسويق لهذا الجهاز برفقة مريض. وهذه ممارسات مخالفة للقانون السعودي ولأخلاقيات الطب. خلال فترة قصيرة انتفض الطبيب في تويتر وتحدث بأحاديث غير صريحة مقدماً أوراقاً يقول إنها تدعم موقفه ودعواه بحصول الجهاز على التصاريح المطلوبة. تتضمن هذه الأوراق رخصة ممثل قانوني، وصورة من شاشة نظام هيئة الغذاء تبين قبول الطلب ضمن نظام الهيئة. كما قدم الدكتور شهادة شكر من مستشفى الملك فيصل التخصصي لجهاز ألفا ستيم على رعاية حلقة نقاشية. إضافة إلى ذلك كتب سلسلة تغريدات تهدد بمقاضاة الطبيب كاتب المادة الصحفية، وتابعه في ذلك معرف في تويتر يقول إنه شركة ألفا ستيم يهدد ويتوعد، إضافة إلى اتهامه لأحد أطباء الطب النفسي بأن سخريته من فائدة الجهاز الطبية يعود إلى أطماع مادية بزعم المعرف الذي يقول إنه يمثل شركة ألفا ستيم. لاحقاً حُذفت المادة الدعائية التي يظهر فيها الطبيب من يوتيوب.

مايهم هنا أن الدكتور متعب حامد الذي يدرس في كندا، وهنا إشارة مهمة عن بعده جغرافياً، استطاع ممارسة دور الصحافة بكل اقتدار في كشف حالة يقول إنها خداع طبي يقوم بها شخص من الشخصيات البارزة في مجال الطب النفسي على مستوى العالم العربي، كما أنه مدرب شهير، وله ظهوره الإعلامي الدائم. آخرون قدموا معلومات تفيد أن الجهاز غير المصرح يستخدم في مؤسسات طبية داخل السعودية، والفضل للانترنت في كشف هذه المعلومات.

تفاعل: 

حظي المقال بتفاعل أكاديمي ومهني واضح. الذين تحدثوا من الأطباء والممارسين النفسيين وقفوا بجانب الدكتور متعب. لاحاجة لذكر الأسماء لكن من المهم الإشارة أن أحداً لم يتحدث عن سلامة موقف الطبيب المتهم علمياً. كل الأطباء والأخصائيين أيدوا موقف الدكتور متعب حامد. إضافة إلى ذلك فإن الجمعية السعودية للطب النفسي أشارت إلى أنها ستصدر بياناً حول هذا الجهاز، يمكن معرفة فحوى البيان من ردود أعضاء الجمعية على الموضوع.

مقابل هذا التفاعل بين الأطراف ذات العلاقة، وتحول الموضوع إلى قضية رأي عام، بدت الصحف الورقية وكأنها لاتعلم عن هذا الموضوع ولا يهمها أن تعلم. فالموضوع شائك، والمتهم “ثقيل”، فمالها وله. الأسوأ من ذلك، أن الصحف الالكترونية التي يتوقع أنها أقل قيوداً من الورقية، لم تكتف بالسكوت، بل تحدثت عن القضية بعين واحدة. على سبيل المثال كتبت صحيفة عاجل مادة تقول في عنوانها إن الطبيب المتهم سيقاضي متابعيه الذين تعدوا على شخصه في تويتر. يلاحظ أن ثلاثة أرباع المادة خصصت لحديث الطبيب المتهم وقرابة السطر للطرف الآخر قالت فيه “إلا أن هجوم الطبيب النفسي متعب حامد على [الطبيب]، وضحده لما ذكره الأخير حول جهاز “ألفا- ستيم”، في مقال نشره على موقع للمدونات الطويلة، عرّض لموجة من الشتائم والاتهامات بالغشّ من بعض متابعيه.” الاستثناء الوحيد في الصحافة الورقية كان مقال للدكتور سعد الموسى، إضافة الكاتب خلف الحربي، تحدثا بوضوح عن هذا الموضوع. لاحاجة هنا لإيضاح الفرق بين الكاتب الصحفي والمؤسسة الصحفية.

أحد الأطراف الحكومية المعنية هنا هيئة الغذاء والدواء. لم يتحدث المتحدث الرسمي عن الموضوع، كما أنها لم تصدر تحذيراً أو غير ذلك، رغم تفاعلها الدائم مع الموضوعات ذات العلاقة. يمكن تفسير هذا الصمت بأن الانترنت عزز شفافية المؤسسات الحكومية، وربما قلل من الحاجة للمتحدث الرسمي. أنظمة الهيئة وتشريعاتها يمكن الاطلاع عليها كاملة عبر الانترنت دون الحاجة لسؤال المتحدث الرسمي، وبطبيعة الحال فإن قائمة الأجهزة الطبية المسموح ببيعها في السعودية تخلو من جهاز ألفا ستيم. مايعني أن رأي الهيئة واضح في هذا الموضوع، يعززه رأي أحد مدرائها الذي تحدث في تويتر عن الموضوع.

حادثة جهاز ألفا ستيم، مثال ضمن عشرات الأمثلة التي تتكرر يومياً في مجتمعنا السعودي، توضح كيف استطاع المجتمع تجاوز ضعف المؤسسات الصحفية في خلق فضاء عام، إلى إيجاد المجتمع فضاءه العام وإثارة قضاياه دون الحاجة لصحفي استقصائي ودون الحاجة لمؤسسة صحفية تأخذ رأي الأطراف لتقدمها للقارئ، مع وجود قدر عال من المسؤولية الاجتماعية والقانونية تجاه كل كلمة تكتب. قدمت جميع الأطراف المختصة، إضافة إلى الجمهور، رأيها في الموضوع، وانتقلت القضية بحسب أحد الأطراف إلى القضاء، وإلى الجهات المعنية. بقيت الصحافة الورقية ونظيراتها الالكترونية في معزل عن هذا الحراك، وانصرفت الصحافة تلاحق تغريدة يتيمة تثني على أداء جريدة، وأخرى تلاحق مقطع فيديو يظهر تلاسناً بين راكبة وسائق باص!

عبدالله أبا الخيل

في حضرة قارئ

مكتبة

باب المكتبة الصغير الظاهر في الصورة، بوابة فارقة بين عالمين في مانشستر الصاخبة. التقنيات الموجودة في هذه المكتبة آلة الدفع الالكترونية، والهاتف ذو القرص، ماعدا ذلك كتب تعير بصفار أوراقها. على كرسي جلدي يقضي بوب جل يومه قارئاً وبائعا. حين يسمع خطوات أحدهم يرحب به ويقول أنا وسط الكتب إن أردت السؤال. يمكن أن تتجول في المكتبة دون أن تسمع منه كلمة. لكن إن اخترت الحديث معه فستكون  أمام  كتاب مسموع تود أن لايتوقف. سألته طالبة معي عن مؤلفات ألدوس هكسلي، نهض من كرسيه عارفاً أين يتجه، وأخرج كل مؤلفات هكسلي من أماكن مختلفة، وكذا كتب كافكا. استغربت من قدرته على تذكر أماكن هذه الكتب بدقة شديدة. ضحك ساخراً وقال إنها عمل تافه، ليست صناعة صاروخ! تصنيف الكتب عند بوب عمل فكري بحت يعتمد على تقييمه للكتاب وكيف يمكن أن يصنف.

جر الحديث بعضه إلى الأدب الانجليزي. انطلق متحدثا وكأنه لايعرف غيره في حياته. يسرد المؤلفين وميزاتهم، وأسماء كتبهم وحياتهم، ويتجه من مكان لآخر يعرض كتبهم وما قرأه منها وماذا أعجبه. وإذا جرى الحديث عن العناوين الشهيرة فإنه يستحضر كلمات أغنيات تتضمن تلك العناوين. في منعطف آخر من الحديث انفجر إعجاباً بداروين ثم تحدث عن ماركس، ومر خلال ربع ساعة على بعض فلاسفة القرن العشرين دوركهايم وحنه ارنت.

في مكتبة بوب يمكن ملاحظة صور البطريق بكثرة، لإعجابه بدار النشر الانجليزية “بنجوين”. تحدث عنها وعن وأهميتها وطريقتها في نشر المؤلفات. كنت محظوظاً جداً أنني لم أكن بعيد عهد بكتاب تاريخ القراءة لآبرتو مانغويل حتى أشاغبه عن دور النشر الانجليزية وأكشاك باعة الكتب في محطات القطارات.

image1

قصة بوب لم تنته، فقبل أن يخرج هو، دخل شاب صغير اسمه كرستفور، قال بوب إن هذا الشخص فعلاً هو من يعرف كل شيء. ثم قال إسألوه عن أي كتاب وأنا أجزم أنه قد قرأه. باغتنا بوب بسؤالنا عن تخصصنا، قالت كريستال إنها تدرس علم الإنسان الوصفي على الانترنت Online Ethnography

قهقه ساخراً

هل لديك طرفة أخرى؟

في الثانية والسبعين من العمر، إلا أنه لا يبدو كذلك. خوذته التي ارتداها قبل أن يخرج مودعاً، تخبرك أنه سيذهب إلى بيته بدراجته. لايبدو على وجهه أنه ربى تسعة أبناء، وتزوج مرتين. سألته عن المكتبة، قال إنها هواية فقط، ولديه مثلها في المنزل أيضاً.

 اتجه الحديث مرة أخرى مع كريستفور عن القراءة بعد أن غادر بوب وغادرت كريستال. كان كريستفور الذي لم يكمل تعليمه الجامعي موسوعة في التاريخ والفلسفة، والأدب وعلم الاجتماع، وربما أشياء أخرى كثيرة. أبدى اهتماماً بتاريخ الشرق الأوسط وتاريخ العلوم والتكنولوجيا. عدا بقاءه في المكتبة في الأوقات التي لايعمل فيها بوب، فإن كريستوفر يقضي غالب وقت بالقراءة بثلاث لغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية. كريستفور مقتنع أن الحياة بشكلها الحالي مرهقة جدأ. قاعدته فيها يكفي أن يكون لديك دخل معقول، وباقي الوقت خصصه للقراءة وستمنحك الحياة. تبادلنا أرقام الهواتف على أمل اللقاء قريباً في هذه المكتبة لحديث غير عابر عن موضوعات مشتركة.

في درج المكتبة الصغير كان السؤال .. هل كانت الدراسة الأكاديمية مكياجا رأسماليا؟

إدارة التعليم العالي .. التجربة البريطانية

هذا المقال نشر في جريدة الحياة

دمْج وزارة التعليم العالي مع وزارة التربية والتعليم بمسمى وزارة التعليم، قد يكون من أكبر التغييرات في القطاعات الوزارية أخيراً. التنبؤات بمآلات الجمع لم تتوقف؛ بسبب حجم التغيير المتوقع حدوثه في جوانب عدة.
على الصعيد المالي، ستكون الوزارة الجديدة مسؤولة عما يقرب من ربع موازنة الدولة للعام المالي الحالي. أما في جانب القوى البشرية، فالوزارة ستكون مسؤولة عن أكثر من 500 ألف معلم ومعلمة، وأكثر من 64 ألف عضو هيئة تدريس في مؤسسات التعليم العالي، إلى جانب آلاف الموظفين في القطاع الإداري، علاوة على 5 ملايين طالب في التعليم العام وأكثر من مليون طالب آخر في التعليم العالي.
يرى مهتمون أن وزارة التعليم التي تنوء بحملها، أثقلت بحمل آخر ثقيل، قد لا تستطيع معه النهوض إطلاقاً.
آخرون انطلقوا في اتجاهات متفائلة، فالتعليم العالي والعام بحاجة إلى تكامل لن يحدث إلا بوضعهما تحت إدارة واحدة، وعلى رغم أن لهذا القول ما يبرره، إلا أن التكامل يمكن أن يكون عن طريق سياسات الدولة التعليمية والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة.
سأنضم إلى الاتجاه المتفائل إذا كان سيقود إلى استقلال الجامعات. يعزز هذا التفاؤل مؤشراً آخر، وهو حل مجلس التعليم العالي، الذي قد يقود حله ودمج الوزارتين إلى استقلال الجامعات في وقت لاحق وبقاء الوزارة جهة إشرافية على التعليم العالي، من دون دخولها في التفاصيل كما هو الواقع حالياً.
استقلال الجامعات سيكون من أعظم الخطوات الداعمة لدفع عجلة التعليم العالي والبحثي في السعودية، وبعد ذلك على المجتمع عامة. سيخلق استقلال الجامعات بيئة تنافسية بينها. غني عن القول أن بيئة ٢٥ جامعة حكومية متشابهة حد التطابق، تميز بعضها عن الآخر لا يكاد يلحظ؛ لارتباطها بوزارة واحدة توجه حتى في أدق التفاصيل. كما أن تفضيل جامعة على أخرى هو تفضيل معنوي لا يخضع لأي مؤشرات علمية يمكن الاعتماد عليها في منح الموازنات أو حتى في أفضلية توظيف الخريجين.
التجربة البريطانية في إدارة التعليم العالي يمكن أن تقدم تصوراً لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الجامعات ووزارة التعليم العالي. من دون الحاجة إلى الحديث عن اهتمام بريطانيا بالتعليم العالي وتفوق جامعتها عالمياً، فإن إدارة التعليم العالي فيها مرت بتغيرات عدة.
حالياً لا توجد وزارة متخصصة بالتعليم العالي، وإنما وزير دولة لشؤون الجامعات والعلوم والمدن. إضافة إلى مجلس مختص بتوزيع التمويل الحكومي للجامعات وتقويمها تقويماً دورياً لضمان التوزيع المالي العادل. حالياً ينتج التعليم العالي أكثر من ٧٣ بليون جنيه إسترليني سنوياً، ويسهم بقرابة ٣ في المئة من الناتج القومي في بريطانيا. الجامعات التي يبلغ عددها ١٦٢ جامعة إضافة إلى كليات مختلفة، مسجلة في نظام المؤسسات الخيرية، وتدار بطريقة المؤسسات الخيرية وتخضع لنظامها. لذلك، فإن الجامعات تسعى لتوسيع دائرة تمويلها عن طريق المشاريع البحثية والشراكة مع القطاع الحكومي والخاص، إضافة إلى الأوقاف والهبات. سعي الجامعات إلى زيادة دخلها لتوسيع نشاطاتها مع حرصها على الحصول على تصنيف عالٍ في قوائم الجامعات، يعني أن الجامعات ستحرص على زيادة الدخل مع الحرص الشديد على المحافظة على الجودة. تعي الجامعات أن انخفاض ترتيبها سيعني بالضرورة غياباً للمانحين والطلاب، وانخفاض الدعم الحكومي.
في هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن لكل جامعة بريطانية مجلس إدارة تكونه الجامعة، يتكون أعضاؤه من الأكاديميين والموظفين والطلاب أيضاً، إضافة إلى أعضاء آخرين من المجتمع الذي تعمل في الجامعة ممن يرى مجلس الجامعة أهمية وجودهم. استقلال الجامعات منحها أيضاً حق تقرير النظام الإداري المناسب لها. يمكن ملاحظة أن جامعة أكسفورد على سبيل المثال تمنح كليتها استقلالاً شبه تام، وتتصرف كل كلية كأنها جامعة مستقلة، ولا ينطبق هذا الأمر على كل الجامعات، لكن يمكن ملاحظة استقلالية الكليات بشكل عام.
النموذج البريطاني لكن يكون النموذج الأمثل لاستنتساخه، ولاسيما في طريقة تمثيل التعليم العالي في الدولة. لكن نجاح جامعاتها في استثمار الاستقلال مدعاة للاستفادة من هذه التجربة.
استقلال الجامعات في السعودية لا يمكن أن يتم سريعاً، لكن المهم البداية في ذلك، ولو بشكل تدريجي للوصول إلى استقلال يقلل من القيود البيروقراطية التي تحد من تحرك الجامعات ويرفع من مستوى التنافسية بينها للوصول إلى نفع مجتمعي أوسع.علمية متطورة. الجامعة هي محور مجتمع المعرفة، وآن الأوان لها أن تقوم بهذا الدور.

حكاية حصان إبليس ورخصته في القصيم

تنويه: فكرة هذه التدوينة وبعض المعلومات الأساسية فيها أمدني بها أخي عبدالمحسن الرشودي المحاضر في قسم التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 

ثمة أحداث تاريخية ينظر إليها بغرابة بالمنظور الاجتماعي والفكري المعاصر، ويتحدث عنها على سبيل التندر والسخرية. بعض الأحداث التاريخية الاجتماعية تبدو كذلك فعلاً، لكن البحث في دوافع ذلك الفعل قد يخفف من نبرة السخرية، وربما يحيلها إلى شيء من الاحترام، لو فهمت الدوافع الحقيقية وراء ذلك الفعل.

إلى الشمال قليلاً من وسط الجزيرة العربية تقع منطقة القصيم. الاطلاع على سبب التسمية وجذر الكلمة في المعاجم العربية يمكن أن يشرح ميزات هذه المنطقة من الناحية الجغرافية. تاريخياً يمكن للخريطة أن تحكي قيمة المكان في التاريخ. رغم أن منطقة القصيم يمكن اعتبارها منطقة داخلية تبتعد عن مناطق الحضارات الإسلامية، إلا أن تاريخها المكتوب ورحلات العقيلات المتأخرة نسبياً يمكن أن تسرد الكثير عن انفتاح المنطقة على حواضر العالم الإسلامي. غير أن الصورة النمطية المتكونة عن منطقة القصيم وربما بريدة تحديداً لمن لا يعرفها، توحي ببيئة منغلقة اجتماعياً، متشددة دينياً، إلى جانب صور أخرى لا ينفك الناس عن تداولها.

من الصعب جداً فصل أي تقنية تصل إلى المجتمع عن اعتباراتها الاجتماعية. إضافة إلى ذلك فإن استخدامات البشر لذات التقنية يختلف باختلاف حاجاتهم، لدرجة أن اختلافات الاستخدام تصل إلى شكل لم يتوقعه المخترع الأصلي. فالتقنية في نهاية المطاف منتج اجتماعي من الصعب فهمه خارج الإطار الاجتماعي. كما أن المجتمعات تختلف داخلياً في النظرة الاجتماعية للمنتج التقني وفقاً لاعتبارات عديدة. يمكن الاطلاع على تفصيل لهذا الموضوع في نظرية (Trevor, Pinch and Wiebe Bijker)  في بحث بعنوان

The Social Construction of Facts and  Artifacts: Or How the Sociology of Science and the Sociology of Technology Might Benefit Each Other

من الطريف أن هذه النظرية بنت نموذجها على الدراجة الهوائية تحديدا، وناقشت فروض النظرية ضمن مثال الدراجة الهوائية واستيعاب المجتمع ورفضه لها وطريقة استخدامه التي أثرت أيضاً على تصنيع المخترع لاحقاً.

إحدى القصص التي يتداولها الناس للتدليل على تشدد المجتمع وانغلاقه ورفضه لما هو جديد، قصة منع ركوب الدراجة الهوائية في بريدة، ووجوب الحصول على إذن من هيئة الأمر بالمعروف للحصول على رخصة لقيادة “حصان إبليس” وهو الاسم المتداول للدراجة الهوائية في العديد من مناطق الجزيرة العربية. يبدو هذا المنطق غريباً جداً في عصرنا الحالي. مضحك أن تكون الدراجة التي نفهم ميكانيكية عملها حصان إبليس، كما أن الحصول على إذن لقيادة دراجة يبدو تافها، فكيف إذا كان صاحب القرار ممن نفهم في وقتنا الحاضر أنه ليس صاحب الشأن في منح رخصة قيادة. قبل أن تقرأ المقطع التالي، سيكون طريفاً لو قرأت شروحات بعض كتاب الصحف لسبب تسمية الدراجة بحصان إبليس، لتفهم جيداً كيف يمكن للصورة النمطية أن تطوع الذهن لتقبل أي شيء لا يتعارض مع الصورة النمطية عن شخص أو مكان.

المصدر: urbana.org

صامويل زويمر

الإشارات التاريخية تفيد أن “حصان إبليس” اسم ابتكره البحرينيون قبل أهل القصيم في نهاية عام ١٨٩٢ عندما أحضر عضو البعثة التبشيرية البروتستانتية صامويل زويمر دراجة هوائية معه إلى البحرين، وكانت ضمن مخترعات عديدة أحضرها معه. قوبل زويمر برفض اجتماعي شديد في البحرين باعتباره داعياً إلى النصرانية، كان يحاول الدفاع عن نفسه بالقول إنه ضيف الله، لكن ضيف الله عند السكان لم يكن ليدعو إلى النصرانية، ولذلك كانو يسمونه بنقيض ذلك وأنه ضيف إبليس. ولأن الدراجة كانت دابته التي يتجول فيها بين المدن والقرى البحرينية داعياً إلى ملته، انسحب البغض على دراجته أيضاً فسميت “خيل إبليس”. رغم بعض الخدمات الطبية والتعليمية التي كانت تقدمها البعثة التبشيرية للمجتمع البحريني إلا أنها ووجهت بالكره أيضاً مع وجود الحاجة إليها. على سبيل المثال يشير رئيس مجلس إدارة جمعية تاريخ وآثار البحرين الدكتور عيسى أمين إلى أن البعثة التبشيرية أدخلت نظام الري الآلي وجلبت لأجل ذلك مضخة هوائية لكنها سقط وتكسرت، وصفق الناس فرحاً بذلك. فعلى الرغم من فائدة نظام الري للسكان إلا أن كرههم للبعثة دفعهم للفرح بتلف ما أحضروه معهم. لاحقاً كثرت الدراجات في البحرين وطلب من ملاكها تسجيلها لدى المرور، وعوملت معاملة السيارات في أنظمة السلامة والمرور، كما هو الحال في الكويت وعمان أيضاً في تواريخ متقاربة. في سياق مقارب تظهر الصور الواردة في مذكرات البعثة التبشيرية البروتستانتية في العراق التي المتخذة من البصرة مقراً لها، صوراً لطلاب المدرسة وهم في جولات دائمة بالدراجات التي كانت تعتبر اختراعاً جديدأً بداية استخدامها في العراق.

المصدر:  www.gosselink.us

طلاب المدرسة التبشيرية في العراق

باستثناء الطبيب بول ارميردينغ، والطبيب الشهير لويس ديم الذي أشار إلى اسمه الشاعر القطري الشهير محمد الفيحاني بقوله: ما يداوي علتي بدواه ديم.. لو يداويها قدر ستين عام، فإن البعثات التبشيرية ولو بشكل متخف، ظلت بعيدة عن القصيم ووسط الجزيرة العربية. لكن سمعة البعثات التي تدعو لدين آخر وصلت إلى شعب القصيم المتدين، حتى وإن لم يكن للسكان احتكاك مباشر معهم.

رحلات العقيلات وارتباط القصيميين بالساحل الشرقي والعراق تجارياً وتعليمياً ساهم في وصول اسم الدراجة كما سماه البحرينيون، ولاحقاً وصول الدراجة إليهم، لكنها وصلت مع سمعتها السيئة. هذا الاسم المخيف مع السبب التقليدي الشائع وهو التخوف من الجديد وضع حاجزاً بين السكان والتقنية الجديدة التي قد تكون مريبة كريبة وصول مشروب الفيمتو إلى بريدة في ذلك الوقت.

خلال بحثي لكتابة هذه التدوينة حاولت الوصول إلى فتوى تحرم صراحة ركوب الدراجة لكني لم أفلح في الوصول إلى أي شيء يتعلق بالتحريم الديني لاستعمال الدراجة في بريدة أو في القصيم، وجل ما وجدت يدلل على التحريم الديني بارتباط الحصول على رخصة قيادة الدراجة بهيئة الأمر بالمعروف أو النواب كما كانو يسمون حينها. ما يجهله أولئك الذين يربطون التحريم بدور الهيئة، أنها في ذلك الوقت لم تكن تختلف عن وظيفة المحتسب في الدول الإسلامية القديمة. ذلك أن وظيفة محتسب السوق أو المحتسب تشمل مهاماً عديدة، منها على سبيل المثال مراقبة المكاييل والموازين، والحفاظ على الطرقات العامة من التعديات، علاوة على المحافظة على الأخلاق العامة. في هذا السياق يمكن فهم كيف أسند التصريح بقيادة الدراجة إلى هيئة الأمر بالمعروف. إضافة إلى ذلك يمكن ملاحظة أن التصريح أسند للهيئة، وهي جهاز يديره المتدينون كما يفهم، بل هو جهاز ديني ابتداءً، ومن غير المعقول أن يقبل هذا الجهاز بإصدار تصريح لشيء يرى حرمته. كما أن أول من حصل على التصريح في بريدة ابن لأحد أعضاء الهيئة الذي يمكنه من منع ابنه من الحصول على التصريح لوجود السلطة الأبوية، والسلطة النظامية في يده، لو كان الأمر محرماً كما يشاع.

سيكون سهلاً عزو منع العديد من المخترعات إلى التشدد الديني والانغلاق الاجتماعي، لكنه لن يكون سبباً وجيهاً في العديد من قضايا التاريخ القريب على الأقل. التعامل مع تلك الحوادث يجب أن يصاحبه فهم للبيئة الاجتماعي والعوامل المؤثرة حولها، للخروج بفهم كاف لتلك الحوادث وانعكاساتها على الأمور التنظيمية حينها وتطورها بعد ذلك لتصل إلى مانعايشه اليوم من قضايا وأحداث ذات صلة بتلك الأحداث القديمة.

٦ نصائح لجعل قصتك الإخبارية تنتشر عبر الجوال

تحول الناس من قراءة الأخبار وتصفح الانترنت من الحواسيب إلى الجوالات بات ظاهرة لا يمكن لأي ناشر على الانترنت تجاهلها. ومن يسعى لنشر قصته الإخبارية فعليه التوجه للجوال، إذ أن انتشار القصة عبر الجوال وسهولة مشاركتها من خلاله تعني في نهاية الأمر تحقيق مقروئية عالية.

هذه ترجمة مختصرة لتدوينة وجدتها مفيدة في مدونة موقع Newswhip، وأرجو أن تكون مفيدة للمهتمين بالنشر الالكتروني. تضع هذه التدوينة قائمة من ٦ نقاط لتحقيق أقصى استفادة من تداول البيانات عبر الهواتف النقالة. من المهم هنا الإشارة إلى تقرير الموقع الإخباري Buzzfeed هذا الأسبوع، الذي يسلط الضوء على أعداد القراء والتقنيات المستخدمة لتصفح الموقع. ما يهم هنا الإشارة إلى أن أرقام buzzfeed تشير إلى ٦٠٪ من زوار Buzfeed استخدموا هواتفهم النقالة عوضاً عن الحواسيب العادية.

النصيحة الأولى: اجعل موقع يفتح سريعاً قدر الإمكان: 

بطء فتح موقع معين ليس شيئاً جيداً لمن يتنقل بين تويتر وفيسبوك ومواقع الانترنت، ومن ثم مشاركة مايقرأ عبر الجوال. إن استخدام الجوال للقراءة عادة مايكون أثناء انتظار الشخص في حافلة، أو الاصطفاف في طابور في محل تموين. هنا تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة نبه إليها مايك كريغر أحد المؤسسين لانستغرام “لا أحد يريد الانتظار في الوقت الذي ينتظر فيه”. إذ أن الشخص لديه وقت انتظار يريد أن يقطعه بالتصفح عبر الجوال، ولذلك فإنه ليس بحاجة لينتظر خلال فترة الانتظار، التي تبدو مملة أصلاً.

النصيحة الثانية: ذكر الناس بتحميل تطبيقك على جوالاتهم: 

وذلك بتذكير القراء الجدد ابتداءً. إن تحميل القراء تطبيقك على جوالاتهم يعني أنك تحتل فعلياً مساحة من جوالاتهم، وليس هناك حاجة لشرح ماذا تعني هذه الخطوة، يكفي أن تعرف أن وجود تطبيقك في هواتفهم يعني بقاءك في أذهانهم كلما تصفحوا تطبيقاتهم. هناك العديد من الطرق لتذكير المتصفح بذلك. إما عن طريق بانر ثابت في موقعك، أو صفحة منسدلة، أو غيرها من الوسائل.

النصيحة الثالثة: ضع مستخدم الجوال في ذهنك وأنت تكتب وتنشر: 

بحسب محلل التصميم الإخباري الدكتور ماريو غارسيا فإن القصة الخبرية المناسبة للجوال هي تلك القطعة التي تكون قصيرة بشكل يجعل القصة شيقة، لكنها ليست قصيرة جداً بشكل يغفل الجوانب المهمة من القصة الإخبارية.

النصيحة الرابعة: لا تتجاهل برامج المحادثة عبر الجوال: 

العديد من الناشرين يعلمون جيدأً أن هذه البرامج هي من أكبر الوسائل الذي يصل القراء إلى مواقع الناشرين من خلالها. من هذه البرامج على سبيل المثال لا الحصر وتس اب، لاين، وي تشات، فايبر. مستخدمو هذه البرامج يميلون إلى مشاركة الروابط عبر مجموعات المحادثة الخاصة. لذلك يجب أن لا يغفل الناشر وضع أيقونات هذه البرامج بجانب القصص الإخبارية. موقع BBC و Buzzfedd على سبيل المثال يستخدمون هذه الإيقونات في مواقعهم.

النصيحة الخامسة: اختر أيقونات المشاركة بعناية: 

قراء مقال بعنوان “كيف تكون تدير وقتك بنجاح” في مجلة فوربز مثلاً، يتوقعون وجود أيقونة “لينكد ان” بجانب هذا المقال لمناسبة هذا المقال للمشاركة في شبكة مثل “لينكد ان” وهكذا يكمن قياس بقية القصص الإخبارية على هذا المقال. بعضها يناسب أن تكون أيقونة الفيسبوك أو تويتر ظاهرة بجانبه بشكل أوضح من أيقونة شبكة بينترست مثلاً. بشكل عام على الناشر معرفة أي الشبكات تنتشر فيها قصصه الإخبارية بشكل أكثر.

إضافة إلى ذلك يجب الاعتناء بشريط المشاركة، وهو ذلك الشريط الذي يوضع بجانب القصص الإخبارية ويمكن للمستخدم من خلاله مشاركة القصة في الشبكة الاجتماعية التي يفضلها. بعض المواقع تميل إلى جعله صغيراً وأخرى تميل إلى جعله بسيطاً. على الناشر أن يفكر في طريقة العرض.

النصيحة السادسة: أعط القارئ خيارات مشاركة مختلفة: 

إعطاء القارئ مزيدأً من الخيارات لمشاركة القصة الإخبارية التي تعجبه هو قاسم مشترك بين مؤسسات إعلامية حاولت الخروج بأشكال مختلفة لهذا الهدف، مثل وضع روابط مشاركة مختلفة لأجزاء محددة من القصة الإخبارية، مثل مقطع الفيديو لوحده، أو النص لوحده. ورغم أن هذا لا يختص بالمشاركة عبر الجوال فقط، إلا أن مثل هذه الأفكار ستزيد أيضاً من مشاركة القصة الإخبارية عبر الجوال.

أيام في معهد الانترنت بجامعة أكسفورد

حينما أخبرت مشرفي في الجامعة عن نيتي في أن أقدم أوراقي لدراسة البرنامج الصيفي لطلبة الدكتوراه في معهد الانترنت في جامعة أكسفورد، بارك هذه الخطوة مبدياً بروداً انجليزيا معتاداً. كتب لي توصية بذلك وأردف قائلاً أتمنى لك القبول، لكني أرجو أن لاتبتئس حينما تفوتك الفرصة، لقد درسّت هناك بضعة أعوام وأعرف أن عدد المتقدمين سنوياً يتجاوز الألف، لكن قدرة المعهد محدودة بثلاثين طالباً، ونصحني أن أشير في سيرتي الذاتية إلى خبرات أخرى غير الدراسية، مثل العمل في الجامعات والمؤسسات الصحفية.

IMG_5394

حديث المشرف وضع بعداً آخر لقيمة البرنامج. فالمنافسة على المقعد تعني أن شيئاً ثميناً قد يختبئ هناك. صباح جمعة في شهر أبريل جاءني رد الجامعة يهنئني بالقبول بعد فرز المتقدمين في عملية استغرقت قرابة الشهرين. أخبرت والدي حينها ومشرفي في الجامعة كما أخبرت جامعتي الأم، وبدأت بعدها الإعداد للبرنامج. كان من المهم أن أنجز كل مايمكن إنجازه في البحث حتى أحظى بملاحظات أكثر على عملي البحثي.

في يوم الأحد السادس من جولاي أخذت مفتاح غرفتي في سكن الطلاب في مبنى كيبل كولج الذي يعد حديث البناء نسبياً، إذ أن بناءه تم في ١٨٧٠م، وهو عمر قصير مقارنة بمباني جامعة أكسفورد.

في مبنى عتيق يعود تاريخ بناءه إلى ١٢٦٣م درس فيه مشاهير كثر من أمثال آدم سميث وغيره، أخذ المعهد حيزاً صغيراً ليحاول إعادة رسم العلوم الإنسانية في عصر الانترنت. لم يكن المبنى مبهراً في بناءه ولا واسعاً في ممراته وغرفه. من الصعب جداً في المعهد أن يسير اثنان في ممر واحد لصغر المبنى. أكبر غرف المعهد بالكاد تكفي ٣٥ شخصاً.

قاعة الإفطار في السكن الجامعي

قاعة الإفطار في السكن الجامعي

بدأ الطلاب التوافد على القاعة، يعرفون بأسمائهم وجامعاتهم، وبإيجاز عن تخصصاتهم الدقيقة. كان صادماً اجتماع النقائض في التخصصات، ومدهشاً تنوع المناهج البحثية. الرابط الوحيد هو الانترنت. بدأت المشرفة على البرنامج الحديث عن فكرة البرنامج في عامه العاشر، وماذا يتوقع المعهد من الطلاب وماذا يتوقع الطلاب من المعهد.

يهدف البرنامج الذي يبدأ يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساء، إلى جمع طلاب الدكتوراه في الدراسات البينية المتعلقة بالانترنت من مناطق مختلفة في العالم. مدة البرنامج لا تتجاوز أسبوعين عادة. لكن المادة العلمية والأنشطة المصاحبة تعتبر مكثفة جداً. خلال أسبوعين فقط يكون الطالب قد تلقى أكثر من ٥٠ مادة علمية تتراوح مدة المحاضرة فيها مابين نصف ساعة إلى ساعتين. على كل طالب أن يقدم بحثه لطاقم المعهد وطلابه في محاضرة مدتها ٤٠ دقيقة، يعرض فيها ما أنجزه وما يود إنجازه، كما يعرض فيها مشكلاته. في نهاية المحاضرة يتلقى الطلاب الملاحظات والاقتراحات حول بحثه وطرق تطويره. إضافة إلى ذلك المعهد يستضيف يومياً محاضرتين أو ثلاث في تخصصات متعلقة بالانترنت. رغم أن بعضها صعب الفهم إما لدقة الموضوع أو لبعده عن مجال الطالب البحثي، إلا أن المدهش فيها اختصارها مدة الاطلاع على الموضوعات ذات العلاقة بالانترنت في فترة وجيزة. يتيح المعهد أيضاً لطلاب الدكتوراه فرصة اللقاءات الخاصة بأي من الباحثين في المعهد لعرض أي قضية بحثها وأخذ الآراء حولها من مختصين. في الجانب الاجتماعي يحرص المعهد على دمج الطلاب في أنشطة مسائية وفي نهاية الأسبوع. هذه الأنشطة كانت فرصة سانحة للاستفادة من تجارب الطلاب أيضاً. وجبات الغداء والعشاء كان مشوبة برائحة البحث وطعم الانترنت. تتخلل هذه اللقاءات مناقشة أفكار بحثية مشتركة في المستقبل أيضا.

نشاط المعهد الصيفي، واحد من أنشطة عدة يقدمها المعهد، الأهم في هذه التدوينة الحديث عن المعهد وتاريخه وهدفه. فتطور الانترنت ودخوله في نواح مختلفة من الحياة جعل من الصعب حصر دراسته في أقسام الإعلام أو أقسام المكتبات والمعلومات، فضلاً عن دراسته بشكل تقني بحت في أقسام الحاسب والشبكات. أنشئ المعهد عام ٢٠٠١ ضمن جامعة أكسفورد، لدراسة الآثار الاجتماعية للانترنت في سياقات وخلفيات علمية مختلفة. حصل المعهد في بداية إنشاءه على منح مالية قدرت بخمسة عشر مليون جنيه استرليني، ولا يزال المعهد يتلقى هبات مختلفة وتعاقدات كثيرة مع جامعات ومؤسسات بحثية حول العالم ليس منها أي جهة عربية أو إسلامية. محاولة فهم الانترنت من جانب علمي واحد قد لا يمنحنا فهماً أعمق للظواهر الاجتماعية التي تتطور بالتفاعل مع الانترنت، لذا فإن المعهد كما غيره من معاهد أخرى حول العالم، تسعى لجلب الباحثين في تخصصات علمية مختلفة، وبعد ذلك صهرهم في بيئة علمية مشتركة لدراسة موضوعات ذات علاقة بالانترنت.

IMG_5446

 تقابل في المعهد باحثين في الاقتصاد والسياسة والجغرافيا والصحة والتاريخ والقانون والإعلام والفنون، كما تلتقي بباحثين في اللاهوت والأدب والفيزياء والكيمياء والحاسب. يبحث المركز في موضوعات مختلفة مثل موضوعات الجنوسة، وجغرافيا الانترنت وكيفية مرورها بين الدول وماذا يعني ذلك. إضافة إلى ذلك يدرس موضوعات في علاقة اللغات ببعضها واستخداماتها في الانترنت، والثقافة ودلالاتها وتطوراتها في محتوى الانترنت.إضافة إلى موضوعات متعلقة بالسياسة في الانترنت والمشاركة السياسية والجماهيرية في صناعة السياسة. هناك موضوعات أكثر غرابة يشترك فيها تخصصات مختلفة للوصول إلى فهم لظواهر معقدة مثل مشاركة باحثين في الفنون واللغات والمتاحف لدراسة المتاحف ضمن مشروعات عديدة تحت مسمى متاحف بدون جدران، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على علاقة الجمهور بالفهم، إضافة تتبع فهم الناس للمدارس الفنية وعلاقة ذلك بالتعبير عبر الانترنت. من المدهش أيضاً اختلاط مدارس بحثية متنوعة ونظريات تصل إلى حد التضاد وتوظيفها في مشروعات موحدة لفهم ظواهر مختلفة. يختصر أحد أساتذة المعهد ذلك بقوله لا أمانع أن أعمل مع أي باحث من أية خلفية وبأية أداة بحثية طالماً أننا نستطيع نصل لفهم مقنع للظواهر الاجتماعية. صفحة المشروعات البحثية للمعهد تفيض بموضوعات ثرية تشرح انعكاسات دخول الانترنت في حياتنا، كما توضح كيف يمكن أن تبعث الحياة في مشروعات بحثية لا تتوقف عن متابعة الظواهر الاجتماعية وتحليلها، مستفيدة من التقنيات في التحليل والملاحظة والشرح.