السعوديون في غياب الصحافة والمتحدث الرسمي

في المجتمعات الحديثة والدول مترامية الأطراف، تكون الصحافة فضاء عاماً، يعرف الناس بها أخبار بعضهم ويناقشون قضايا مجتمعهم. في هذه المجتمعات أيضاً تقوم الصحافة بدور الرقيب، تسلط الضوء على مكامن الخطأ ومواطن الخلل. تبدو هذه النظرة مثالية يستحيل تطبيقها بشكل كامل. دون جدال، فإن ممارسات الصحف، بما فيها الالكترونية، تقترب وتبتعد عن هذه المثالية لظروف كثيرة. في مجتمعنا السعودي، تقترب الممارسة الصحفية من هذه المثالية أحياناً وتبتعد في أحايين كثيرة، نتيجة لعدد المتحكمين في هذه الممارسة وتوجهاتهم الفكرية والقيود السياسية والعلاقة بالمعلن. كانت الصحف على علاتها تحظى بمقروئية ومتابعة. كما أن كثيراً من موضوعاتها المهمة لاتكتمل إلا بتصريح المتحدث الرسمي للجهة المعنية الذي قد يتجاهل الرد على الصحف لحاجات في نفس مؤسسته. مؤخراً قدم الانترنت فضاء جديداً للناس، تخلصوا فيه من سيطرة أشخاص على توجيه الفضاء العام. باتت القضايا التي يطرحها الناس أكثر سخونة، وأقرب ملامسة لهموم الناس الثقافية والاجتماعية. الأجمل من هذا تفاعل أصحاب القرار. يستطيع القارئ أن يستذكر مواقف كثيرة من هذا التفاعل.

الصحافة في عصر الانترنت:

في هذه الفترة الانتقالية استقرت الصحافة والإعلام على مجرد الممارسة الصحفية البحتة، والاتجاه كثيراً إلى الكتابة عما يدور في الفضاء العام الذي اتجه إليه الناس، ونسيت أن تكون فضاء اجتماعياً مفتوحاً. من الشائع في الممارسة الصحفية السعودية رؤية عناوين على طريقة (مقطع فيديو على الانترنت يثير ..) و(مغردون يطالبون..)، كتبت عنها سابقاً. إضافة إلى نشرها لأخبار العلاقات العامة التي تصدرها الدوائر الحكومية والشركات التي تصل إلى ٤٠٪ من محتوى تلك الصحف بحسب دراسة علمية. هنا يبدو جلياً أن إشكالية الصحف السعودية ليست في التحول إلى العالم الرقمي بالشكل التقني، وإنما في التحول إلى العالم الرقمي ممارسة واقترابا من التغيرات الاجتماعية. مقابل هذه الممارسة التقليدية يظهر الانترنت فضاءً اجتماعياً وبيئة صحافية تعيش مع الناس وتتيح لهم القيام بأدوار الصحافة التي سبقت الإشارة إليها.

ألفا ستيم في فضاء الانترنت:

في أحايين كثيرة تصنع الأحداث الاجتماعية في فضاء الانترنت، وتنقلها بانتقائية الصحف التقليدية، وتلك التي تدعي أنها الكترونية. لا أجد أفضل من قضية جهاز ألفا ستيم التي أثيرت عبر ممارسة صحفية احترافية على الانترنت مقابل تجاهل تام من الصحف التقليدية ومعظم نظيراتها الالكترونية.

كتب الدكتور متعب حامد في مدونته مادة صحفية احترافية وثق فيها ادعاءاته وأدلته عن طبيب سعودي يبيع جهازاً طبياً غير مصرح في عيادته يدعي أنه يعالج أمراضاً نفسية كثيرة، إضافة إلى خروج الطبيب في مادة إعلانية للتسويق لهذا الجهاز برفقة مريض. وهذه ممارسات مخالفة للقانون السعودي ولأخلاقيات الطب. خلال فترة قصيرة انتفض الطبيب في تويتر وتحدث بأحاديث غير صريحة مقدماً أوراقاً يقول إنها تدعم موقفه ودعواه بحصول الجهاز على التصاريح المطلوبة. تتضمن هذه الأوراق رخصة ممثل قانوني، وصورة من شاشة نظام هيئة الغذاء تبين قبول الطلب ضمن نظام الهيئة. كما قدم الدكتور شهادة شكر من مستشفى الملك فيصل التخصصي لجهاز ألفا ستيم على رعاية حلقة نقاشية. إضافة إلى ذلك كتب سلسلة تغريدات تهدد بمقاضاة الطبيب كاتب المادة الصحفية، وتابعه في ذلك معرف في تويتر يقول إنه شركة ألفا ستيم يهدد ويتوعد، إضافة إلى اتهامه لأحد أطباء الطب النفسي بأن سخريته من فائدة الجهاز الطبية يعود إلى أطماع مادية بزعم المعرف الذي يقول إنه يمثل شركة ألفا ستيم. لاحقاً حُذفت المادة الدعائية التي يظهر فيها الطبيب من يوتيوب.

مايهم هنا أن الدكتور متعب حامد الذي يدرس في كندا، وهنا إشارة مهمة عن بعده جغرافياً، استطاع ممارسة دور الصحافة بكل اقتدار في كشف حالة يقول إنها خداع طبي يقوم بها شخص من الشخصيات البارزة في مجال الطب النفسي على مستوى العالم العربي، كما أنه مدرب شهير، وله ظهوره الإعلامي الدائم. آخرون قدموا معلومات تفيد أن الجهاز غير المصرح يستخدم في مؤسسات طبية داخل السعودية، والفضل للانترنت في كشف هذه المعلومات.

تفاعل: 

حظي المقال بتفاعل أكاديمي ومهني واضح. الذين تحدثوا من الأطباء والممارسين النفسيين وقفوا بجانب الدكتور متعب. لاحاجة لذكر الأسماء لكن من المهم الإشارة أن أحداً لم يتحدث عن سلامة موقف الطبيب المتهم علمياً. كل الأطباء والأخصائيين أيدوا موقف الدكتور متعب حامد. إضافة إلى ذلك فإن الجمعية السعودية للطب النفسي أشارت إلى أنها ستصدر بياناً حول هذا الجهاز، يمكن معرفة فحوى البيان من ردود أعضاء الجمعية على الموضوع.

مقابل هذا التفاعل بين الأطراف ذات العلاقة، وتحول الموضوع إلى قضية رأي عام، بدت الصحف الورقية وكأنها لاتعلم عن هذا الموضوع ولا يهمها أن تعلم. فالموضوع شائك، والمتهم “ثقيل”، فمالها وله. الأسوأ من ذلك، أن الصحف الالكترونية التي يتوقع أنها أقل قيوداً من الورقية، لم تكتف بالسكوت، بل تحدثت عن القضية بعين واحدة. على سبيل المثال كتبت صحيفة عاجل مادة تقول في عنوانها إن الطبيب المتهم سيقاضي متابعيه الذين تعدوا على شخصه في تويتر. يلاحظ أن ثلاثة أرباع المادة خصصت لحديث الطبيب المتهم وقرابة السطر للطرف الآخر قالت فيه “إلا أن هجوم الطبيب النفسي متعب حامد على [الطبيب]، وضحده لما ذكره الأخير حول جهاز “ألفا- ستيم”، في مقال نشره على موقع للمدونات الطويلة، عرّض لموجة من الشتائم والاتهامات بالغشّ من بعض متابعيه.” الاستثناء الوحيد في الصحافة الورقية كان مقال للدكتور سعد الموسى، إضافة الكاتب خلف الحربي، تحدثا بوضوح عن هذا الموضوع. لاحاجة هنا لإيضاح الفرق بين الكاتب الصحفي والمؤسسة الصحفية.

أحد الأطراف الحكومية المعنية هنا هيئة الغذاء والدواء. لم يتحدث المتحدث الرسمي عن الموضوع، كما أنها لم تصدر تحذيراً أو غير ذلك، رغم تفاعلها الدائم مع الموضوعات ذات العلاقة. يمكن تفسير هذا الصمت بأن الانترنت عزز شفافية المؤسسات الحكومية، وربما قلل من الحاجة للمتحدث الرسمي. أنظمة الهيئة وتشريعاتها يمكن الاطلاع عليها كاملة عبر الانترنت دون الحاجة لسؤال المتحدث الرسمي، وبطبيعة الحال فإن قائمة الأجهزة الطبية المسموح ببيعها في السعودية تخلو من جهاز ألفا ستيم. مايعني أن رأي الهيئة واضح في هذا الموضوع، يعززه رأي أحد مدرائها الذي تحدث في تويتر عن الموضوع.

حادثة جهاز ألفا ستيم، مثال ضمن عشرات الأمثلة التي تتكرر يومياً في مجتمعنا السعودي، توضح كيف استطاع المجتمع تجاوز ضعف المؤسسات الصحفية في خلق فضاء عام، إلى إيجاد المجتمع فضاءه العام وإثارة قضاياه دون الحاجة لصحفي استقصائي ودون الحاجة لمؤسسة صحفية تأخذ رأي الأطراف لتقدمها للقارئ، مع وجود قدر عال من المسؤولية الاجتماعية والقانونية تجاه كل كلمة تكتب. قدمت جميع الأطراف المختصة، إضافة إلى الجمهور، رأيها في الموضوع، وانتقلت القضية بحسب أحد الأطراف إلى القضاء، وإلى الجهات المعنية. بقيت الصحافة الورقية ونظيراتها الالكترونية في معزل عن هذا الحراك، وانصرفت الصحافة تلاحق تغريدة يتيمة تثني على أداء جريدة، وأخرى تلاحق مقطع فيديو يظهر تلاسناً بين راكبة وسائق باص!

عبدالله أبا الخيل

تعليقان على “السعوديون في غياب الصحافة والمتحدث الرسمي

  1. التنبيهات: د.عبدالله أبا الخيل يكتب: السعوديون في غياب الصحافة والمتحدث الرسمي.. وسعود المحارب يعترض على السطر الأخير | Saudi Mention

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.