نظرية البروبجندا .. المفهوم والعوامل

ناقش نظرية “البروبجندا” لهيرمان وتشومسكي. كان هذا عنوان أحد الأبحاث التي يكلف بها الطلاب في مرحلة الماجستير في الجامعة. المشكلة أنني أعرف أن تشومسكي هو عالم في اللغويات التطبيقية. واستغربت حينها علاقة تشومسكي بالإعلام. من الصعب جداً أن تناقش نظرية لاتعرف عنها شيئاً أصلاً. لكن لابأس. هذه فائدة البحوث، والوقت لايزال طويلاً أمام تسليم البحث. من الفصل الأول في كتاب صناعة الرضا أو صناعة الإذعان كما أفضلها، لهيرمان وتشومسكي المطبوع عام ١٩٨٩ كانت بداية الحكاية. أما النهاية فلم تعرف بعد.

تنطلق النظرية من أن أهمية الإعلام في أي مجتمع لاتقل عن أهمية عن أساسيات الحياة. فمهمة الإخبار، وإثارة القضايا والتعليم والترفيه، وغيرها من المهام الأخرى، عنصر هام ولبنة أساسية في تطور المجتمعات ونهوضها. غير أن الإعلام مثل غيره تعترضه عوائق وعقبات تمنعه من أداء دوره على أكمل وجه، باعتبار الإعلام أحد الأسلحة الخطرة. والكل يريد استخدامه لصالحه. هذه العقبات تتنوع بحسب المجتمعات. وإذا كنا نعتقد أن حرية الإعلام في الدول النامية والدول غير الديموقراطية أكبر عائق يمكن أن يمنع الإعلام من ممارسة مهامه على أكمل وجه، إضافة إلى عوائق تختلف باختلاف البلد، فإن نظرية البروبجندا التي اقترحها ادوراد هيرمان ونعوم تشومسكي ومحورها الولايات المتحدة بشكل خاص والدول الديموقراطية بشكل عام. تضع ٥ عوامل يعتقد واضعو النظرية أنها تمنع وسائل الإعلام في الدول الديموقراطية من أداء دورها الحقيقي. أول العوامل التي يعتقد هيرمان وتشومسكي أنها تمنع الإعلام من ممارسة دوره هي ملكية وسائل الإعلام. تتركز ملكية معظم وسائل الإعلام في الدول الديموقراطية في أيدي ملاك يسيطرون على أكثر من وسيلة إعلام. وبطبيعة الحال فإن أولئك الملاك سيوجهون تلك الوسائل بما يتفق ومصالحهم. كما أن بعض أولئك الملاك يعملون في أنشطة تجارية أخرى، ومن المؤكد أن ملاك وسائل الإعلام لن يرضوا أن تًمس مصالحهم التجارية الأخرى في وسائل الإعلام التي يمتلكونها. على سبيل المثال. وجدت دراسة بريطانية أن المعالجة الصحفية لأخبار ارتباط السرطان بالتدخين في صحيفة بريطانية يشترك في ملكيتها أحد تجار التبغ، تختلف تماماً عن المعالجة الصحفية لهذه القضية في الصحف الأخرى. وبدون شك فإن ذلك التاجر لن يسمح أن يمس نشاطه التجاري بسوء وخصوصاً من قبل شركة أخرى له، بغض النظر عن مصالح القراء والمجتمع. بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى مسألة دعم السياسيين صراحة. امبراطور الإعلام الشهير ربورت مردوخ الذي يملك نسبة كبيرة من وسائل الإعلام البريطانية الشهيرة، صرح عام ١٩٩٧ إلى مجلة دير شبيغل الألمانية (كم أحب هذه المجلة) أنه وبكل صراحة يتوقع أن يدعم حزب العمال في الانتخابات. ولست هنا بحاجة لإيضاح خطورة مثل هذا التصرف على الممارسة الديموقراطية.

في العامل الثاني يشير هيرمان وتشومسكي إلى أن للمعلن سيطرة لاتقل عن سيطرة ملاك وسائل الإعلام نفسها. لأن معظم دخل وسائل الإعلام يأتي من المعلن. والمساس بمصالح أي معلن هو مساس بدخل الوسيلة نفسها.

العامل الثالث يمكن أن يطلق عليه “فخ المصدر” وتتلخص فكرة هذا العامل بأن وسائل تعتمد على مصادر مختلفة لجلب الأخبار. هذه المصادر يمكن أن تتلاعب بالصحف وبالقارئ على حد سواء. بسبب ضغط العمل في الإعلام فإن كثيراً من الإعلاميين لاينتبهون لمضمون الأخبار من المصادر على المدى الطويل، فالأهم لدى كثير من الإعلاميين هو الحصول على معلومة فقط، دون تتبع هدف هذه المعلومة على المدى القصير أو البعيد. والمقصود بالمصادر ليست المصادر الخاصة فقط، بل حتى أخبار العلاقات العامة، التي تعتبر أحد أكبر المشاكل في المؤسسات الإعلامية. إحدى الدراسات التي أجريت في جامعة كاردف البريطانية أكدت أن ٥٤ في المئة من القصص الإخبارية في الصحف البريطانية تعتمد على أخبار العلاقات العامة، وهنا أتساءل إذا كانت هذه النسبة في الصحف البريطانية، فما النسبة في الصحف السعودية. وفي جانب آخر فإن السعي لإرضاء المصادر الخاصة يفرض على بعض الإعلاميين تمرير أخبار قد لايرغبونها، لأجل البقاء على اتصال مع المصدر. وهو مايضر بالوسيلة والمتلقي في نهاية المطاف.

العامل الرابع الذي يرى هيرمان وتشومسكي أنه يؤثر على أداء وسائل الإعلام في الدول الديموقراطية هو خوف وسائل الإعلام من الانتقاد أو مايسمى Flak فخوف وسائل الإعلام من الانتقادات سواء من الجهات الحكومية أو من غيرها، يجعلها تبتعد عن التغطية التي قد تكون سلبية بحق تلك المؤسسات أو الجهات الحكومية. بعبارة أخرى ابتعد عن انتقادى وسأفعل ذلك أنا أيضاً. وهو مايؤدي إلى ابتعاد وسائل الإعلام عن القضايا الحساسة والتوجه إلى القضايا التي قد لاتضر ولا تنفع.

العامل الخامس كما يراه هيرمان وتشومسكي هو ما أسمياه في البداية Anticommunism معاداة الشيوعية، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي تحول المصطلح في الطبعات التالية من الكتاب إلى مصطلح الأعداء. وهو مايعني باختصار تقسيم الناس إلى خندقين خندق الأعداء وخندق الأصدقاء. ماتقره النخبة الحاكمة هو الصحيح لأنه ضد الأعداء، وأي اعتراض على هذا الرأي يعني التخندق في خندق الأعداء. وهذا المفهوم يستخدم الآن تحت مسمى الحرب على الإرهاب.

رغم أنني أعتقد أنني أطلت الحديث عن هذه النظرية، إلا أنني متأكد أن هناك الكثير مما لايتسع المقال لذكره. لكن من المهم أن نعرف أن عشرات الدراسات لاتزال تصدر حتى هذا اليوم في تحليل مضمون هذه النظرية وتطبيقها على إعلام الدول الديموقراطية، إلى جانب عشرات الدراسات الأخرى التي تنتقد النظرية وتتهمها بأنها مجرد نظرية مؤامرة.


مدونة .. لماذا؟

تجربة التدوين هذه ليست الأولى. محاولة يتيمة قبل بضعة سنوات كانت بداية التدوين. كانت فاشلة بكل المقاييس أيضاً. عوامل الفشل تنوعت بين استخدام اسم غير صريح  وغياب الهدف من المدونة. هذا باختصار سبب فشل المدونة الأولى. وفشل مدونات عربية كثيرة. حين بدأت دراسة الماجستير بدأت أكتشف معلومات جميلة عن التدوين والمدونين. أرقام كثيرة. وإحصاءات وافية عن جميع مايتعلق بالتدوين. اكتشفت من خلال قراءة بعض الأبحاث أن معظم المدونات السعودية هي مدونات دون هدف واضح. تغيب المدونات المتخصصة في السعودية. كما قرأت أيضاً أن عدد المدونات المًفعّلة يقل كثيراً عن عدد المدونات غير المفعلة أو الخاملة. الأرقام تشير إلى أن الانترنت يضم أكثر من ١١٢ مليون مدونة تشمل جميع نواحي الحياة. الدراسة ذاتها فتحت لي المجال لقراءة متخصصة واعية في تخصص الإعلام. معلومات غزيرة تمر على الدارس، غير أنها تضيع كما يضيع غيرها لأننا لا ندون. من هنا بدأت فكرة المدونة تتبلور يوماً بعد آخر. من أسباب التفكير في إنشاء مدونة، غياب أو قلة المدونات المتخصصة، في الإعلام على وجه التحديد. على الرغم من أن الإعلام هو أحد أكثر العلوم تطوراً وتحديثاً إلا أن كثيراً من المهتمين العرب يواجهون نقصاً في المعلومات الجديدة، بسبب قلة المصادر العربية التي تتناول الجديد في الإعلام. كثير من كتب الإعلام في العالم العربي تتناول أساسيات الإعلام، أو موضوعات ضعفت أهميتها بسبب الجديد.
هذه المدونة جهد شخصي يحاول أن يحفظ مايمر على الكاتب من معلومات متخصصة في الإعلام لشخصه وللقراء أيضاً. كما أنها تحاول أن تتناول الموضوعات التقنية ذات البعد الإعلامي. يرجو كاتبها أن تكون لبنة في بناء مجتمع عربي جيد على الانترنت. لن تكون هذه المدونة يومية لأنها ليست مذكرات. تحاول أن تكون شهرية أو نصف شهرية، لتكون مادتها ممتعة ومفيدة.