أبل والإعلام والمجتمع .. سر الجذب مع جشع الاحتكار

أذكر أن أحد كبار السن في بريدة كان يبيع أحد أكثر أنواع الأشمغة شهرة، وحتى يلبي رغبة أكبر عدد ممكن  لم يكن ليبيع أكثر من شماغين للشخص الواحد. لذلك كان أحد أقاربي حين يقترب من المحل، يقسم المال بين أولاده ليدخلوا على صاحب المحل واحداً واحداً حتى يستطيع الحصول على كمية أكثر من الأشمغة تلبية لرغبة أقاربه الذين طلب كل واحد منهم شماغاً من ذلك النوع “الفاخر” . سياسة كبير السن رحمه الله حياً أو ميتا، لا تختلف كثيراً عن سياسة إحدى أكبر شركات الالكترونيات شهرة في القرن العشرين. مع اختلاف الزمن واختلاف السلعة إلا أن سياسة البيع واحدة، والهدف واحد. فتعدد الشركات المصنعة للهواتف الذكية وكثرة الأنواع المنتجة، تجعل من غير المتخيل أن ينتظر أناس ٣ أسابيع للحصول على هاتف جوال، ومن غير المتخيل أيضاً أن يضطر بعضهم للوقوف أكثر من ٨ ساعات أمام محلات أبل للحصول على ايفون. وكأن الايفون هو هاتف الجوال الوحيد في العالم . فعلى الرغم من أن عيباً تصنيعياً ظهر في جهازها واعترفت به، إلا أن الشركة ورغم مرور أكثر من شهرين على طرح الجهاز لم تستطع تلبية الطلب المتزايد عليه . هذه الجماهيرية والهوس بمنتجات أبل ليس وليد اللحظة، ولم تظهر مع الآيفون فقط. أبل  وببراعة لم تعرف خلطتها بعد، أسرت  قلوب الإعلام وقلوب موظفيها وقلوب زبائنها، بل وعشاق التقنية بشكل عام. وغدا كل واحد منهم مسوقاً لأبل دون أجر.

ِApple Logo

في جانب الإعلام، تشير  دراسة أجريت على مايقارب ٣٠٠٠ موضوع منشور عن أبل، وجدت الدراسة أن الموضوعات الإيجابية زادت بأغلبية ساحقة على الموضوعات السلبية. ليس هذا فحسب، بل إن الموضوعات السلبية كانت تدور حول صحة المدير التنفيذي ستيف جوبز. دراسة أخرى وجدت أن أجهزة أبل كانت موجودة في ١٨ فلم من أصل ٤٤ فلماً حققت أعلى المشاهدات في دور السينما الأمريكية.
الأمر نفسه ينسحب على ولاء الموظفين للشركة نفسها، أحدهم يقول في تصريح لجريدة الجارديان البريطانية، إنني لا أحتفل بعيد كرسمس واحد، بل بعيدين. الأول عيد الكرسمس المسيحي، والآخر الكرسمس الخاص بأبل حينما يعتلي ستيف جوبز المنصة ليحدث الجمهور عن الجديد لدى أبل. بل إن موظفاً سابقاً يؤكد على الرغم من خروجه من أبل ،إلا أنه لايزال يحترمها، ولا يزال نادماً على الخروج منها.
في جانب النمو التجاري، تعتبر أبل ثاني أكبر شركة أمريكية من ناحية القيمة السوقية لهذا العام، إضافة إلى ذلك فإنها حققت في الربع الثاني من هذا العام أيضاً دخلاً يتجاوز ١٥ مليار دولار، وأرباحاً تتجاوز ثلاثة مليارات. ‪كما أنها ستتجاوز أرباح مايكروسوفت هذا العام، إذ تشير دراسات إلى أن أبل ستزيح بالتأكيد شركة مايكروسوفت عن عرش أكبر شركة تقنية. وفي جانب ذي صلة تربعت أبل هذا العام على قائمة الشركات الأكثر احتراماً، وبطبيعة لم تعثر مايكروسوفت على مكان لها في قائمة العشرة شركات الأولى  . ‬
‪على صعيد الأفراد، فإن أبل حققت بسياساتها الإعلامية والتسويقية هوساً بمنتجاتها يندر وجود مثيل له عالم الأعمال. يمتلئ فضاء الانترنت بمدونات تحتفل وتشرح وتوضح كل مايتعلق بمنتجات أبل، بل تطور الأمر إلى وجود مواقع تحقق في الشائعات التي تتناول أبل. والعديد العديد من المواقع. هذا الهوس ليس جديداً أيضاً، فهناك مجلات وكتب تهتم بأبل، وليس من المستغرب أبداً أن يقضي أحدهم ساعات في الحديث عن إعجابه بمنتج اشتراه من أبل، حتى إنك لتشك في أن أبل قد منحته عمولة مقابلة هذا الحديث ليس هذا فحسب، يشير مختصون إلى أن جمهور أبل لايختلف في خصائصه النفسية والاجتماعية عن طريقة أتباع الطوائف الدينية، وهي خصائص يشترك فيها جمهور أبل، وفرقة البيتلز البريطانية، إضافة إلى مهووسي نظام لينكس، ودراجات هارلي دافيدسون النارية. هذا الهوس له سمات عديدة، تتمثل بوجود صداقات تبنى على أساس حب المنتج، وقصات شعر، ووشوم، وولاء مطلق للمنتج، إلى غير ذلك من الخصائص الأخرى. مثل المتابعة الدقيقة لجميع تفاصيل المنتجات، والاستماتة في الدفاع عنها، وتعليق شعار أو أيقونة أبل في أماكن متنوعة وبشكل متكرر.
الشعار الذي يقول مصمموه إن التفاحة في الشعار ترمز إلى العلم في حين أن الجزء المقضوم منها يرمز إلى الرغبة، أما ألوان قوس قزح التي أزيلت من الشعار مؤخراً فإنها ترمز إلى الأمل، وعدم ترتيبها يرمز إلى الفوضى. هذا الشعار الذي يرمز إلى الرغبة والعلم والفوضى والأمل هو بالتأكيد ليس شعاراً بل هو منهج عمل للشركة تسرق به قلوب زبائنها يوماً بعد يوم.‬
الملاحظة التي يطرحها باحثون ومراقبون، يؤكد أن نجاح أبل يعتمد بشكل كبير وواضح على كاريزما المدير التنفيذي ستيف جوبز، وأن الهوس بأبل هو هوس بستيف جوبز لاغير. وحقيقة أن لهذا القول مايؤيده على أرض الواقع، فستيف جوبز بلباسه البسيط وغير المتكلف وطريقة حديثه المقنعة التي لا تختلف عن لبسه، اخترق قلوب الناس، كما أنه كسر القواعد التي يمتثلها مدراء الشركات العملاقة. فلم يكن من المعقول أبداً أن يعتلي منصة العرض مدير شركة بحذاء جري! هذه البساطة أثرت بشكل جلي على جمهور أبل، وعلى العاملين في الشركة وصالات العرض. قد يكون من الظلم اختزال شركة بحجم أبل في شخص واحد فقط، كما أن من الظلم إرجاع نجاحات وأرباحها إلى شخص واحد، وإغفال جودة منتجات أبل، واحترامها لعملائها.
ظهور جوبز بنفس اللباس خلال أكثر من عقد، يشير بالتأكيد إلى أن الموضوع يتعلق بسياسة شركة  وليس مصادفة
يشير آخرون إلى أن نجاح أبل إنما هو انتقام الجماهير من مايكروسوفت لاغير. وأن سياسة مايكروسوفت الاحتكارية هي سبب نفور الناس منها. في حين أنني أجد شخصياً أن أبل لاتقل سوءً في هذه الناحية عن مايكروسوفت إن لم تتجاوزها. على سبيل المثال فإن جهاز الآيفون الأكثر شعبية لايزال في أمريكا محتكراً على شبكة شركة واحدة فقط. والحال نفسها في عدة دول، مثل بريطانيا التي تقول أبل إنها أعطت حقوق توزيع هاتفها إلى أكثر من شركة، وأنها تبيعه مفتوحاً على جميع الشبكات، ومع ذلك فإن الشركة لاتزال محتكرة بشكل جشع، إذ أنه لا يمكن لأي شخص أن يشتري هاتف آيفون المفتوح على جميع الشبكات، إلا من محلات أبل نفسها، وليس موزعيها المعتمدين أيضاً. كما أن أبل تصنع أجهزتها بنفسها دون شراكة مع أي مصانع أو جهات أخرى. بل وتفرض سياسة إقصائية قاسية مع من تختلف معهم، تشبه سياسة الجملة العامية الشهيرة (عاجبك وإلا اطلع برا) وهو ما فعلته مع شركة أدوبي الشهيرة، رغم تبريرات شركة أبل غير المفهومة لسياستها مع أدوبي. على أية حال، المتأمل لطريقة بيع أبل سيجد أن نفسها الاحتكاري أطول من نفس مايكروسوفت بكثير. لذلك فالتساؤل الذي يطرح هنا، على الرغم من سياسة أبل الاحتكارية، فإن الإقبال يزداد على منتجاتها يوماً بعد يوم. وهذا في رأيي قد يكون دليلاً على أن الجمهور لايهتم كثيراً بموضوع الاحتكار بقدر ماتجذبه الجودة وحسن التعامل.
الحديث عن أبل وسياستها يطول ويطول، لكن سياسة أبل في جوانب عديدة هي موضوع جدير بالبحث والفائدة، خصوصاً في طريقة تعاملها مع وسائل الإعلام. أعتقد أننا بحاجة ماسة لمعرفة طريقة عمل جهاز العلاقات العامة في أبل، والجهاز الإعلامي أيضاً. حتى نستطيع فهم ردود فعل الإعلام تجاه أبل، فالانتشار الواسع لأخبار أبل في الفضائيات والصحف والانترنت، بل وأكثر من ذلك في وكالات الأنباء المختلفة، ليس نتيجة جهد العلاقات العامة فقط، وإنما هناك عوامل أخرى نحتاج إلى معرفتها.
مراجع للفائدة:
BIEBRACH, C. 2008. Why Apple must tell its story.
RAGAS, M. & BUENO, B. 2002. The power of cult branding: how 9 magnetic brands turned customers into loyal followers (and yours can, too!), Crown Business.
DEUTSCHMAN, A. 2001. The second coming of Steve Jobs, Random House, Inc.
BELK, R. & TUMBAT, G. 2005. The cult of Macintosh. Consumption Markets & Culture, 8, 205-217.