المدونات قبل ظهور الانترنت!

من الصعب جداً اختزال ظاهرة المدونات في مقال واحد أو بضعة مقالات. ذلك أن المدونات ليست مجرد ظاهرة قصيرة الأمد تبدو تارة وتخبو أخرى. بل هي أشبه بالسلوك الإنساني أو هي سلوك إنساني. المدونات ترتبط بالتعبير عن الرأي في أقل أحوالها، وترتبط أحياناً برغبات إنسانية تختلف من شخص لآخر ومن شعب لآخر. على أية حال، يخطئ من يعتقد أن المدونات بشكلها الالكتروني وليدة الانترنت. فالمدونات في رأيي الشخصي هي محاولة أفراد للتعبير عن رأيهم وإيصاله إلى جمهور أوسع دون استخدام وسائل الإعلام الجماهيري. هذا المفهوم ينطبق على غالب المدونات. فالمدون غالباً يلجأ للتدوين للتعبير عن رأيه، لتعذر أو صعوبة التعبير عنه بالطرق التقليدية أو باستخدام وسائل الإعلام الجماهيرية. هذا المقال سيحاول أن يسلط الضوء على تاريخ المدونات قبل ظهور الانترنت.

قد يكون من المستغرب لدى القراء أن يكون للمدونات امتداد تاريخي قبل ظهور الانترنت. المصادر التاريخية التي تناولت تاريخ الاتحاد السوفيتي المنحل، تشير إلى أن قمع حرية التعبير في الاتحاد السوفيتي، والعقوبات القاسية التي تنزل بمن يحاول تجاوز خطوط الإعلام الحمراء، أوجدت حاجة ماسة لدى الناس للتعبير عن آرائهم بطريقة لاتعرضهم للعقوبة. فالجرائد والإعلام الرسمي من طراز صحيفة البرافدا الناطقة باسم الحزب الحاكم لم تكن تقدم إعلاماً يلبي أبسط حاجات المتلقين، حتى إن أحد الصحفيين الأوربيين شهد أن السوفياتيين استخدموا تلك الصحيفة وغيرها كورق حمام نظراً لبعض الظروف الاقتصادية وكرههم لها في المقام الأول. فهم بحسب مايقول الصحفي يعتبرون أن هذا هو الاستخدام الأمثل لها ولأشباها من صحف تلك الحقبة. ولذلك جاءت تلك المدونات الورقية التي توزع بطريقة سرية سميت لاحقاً بالسامزدات самиздат باللغة الروسية. كلمة سامزدات منحوتة من كلمتين روسيتين الأولى سام تعني الشخص أو الشخصي، و ازدات تعني دار النشر.  أحد نماذج المدونات

وجدت هذه المدونات الورقية قبولاً شعبياً واسعاً، وتنوعت موضوعاتها مابين أدبية إلى سياسية إلى غير ذلك من الموضوعات. وفي الوقت الذي لم تكن كتابة ونسخ  تلك المدونات أمراً صعباً، فهي إما تكتب بالآلة الكاتبة أو بخط اليد وتنسخ بأوراق الكربون. كان توزيعها هو المعضلة الأصعب. كانت الطريقة الأشهر هي وجود مايسمى بالدوائر المغلقة. تتكون تلك الدوائر من ٥ أشخاص فقط يعرفون بعضهم جيداً وتدور تلك المدونات بينهم فقط. كما شهد تاريخ تلك المدونات تطوراً في تقنية النشر، إذ ظهرت بعض المدونات الصوتية المسجلة على أشرطة كاسيت عادية سميت بالتاميزدات، ولم يكن مضمونها مختلفاً عن سابقتها. انتشار تلك المدونة مكتوبة كانت ومسموعة، لم يتوقف عند حدود الاتحاد السوفيتي، بل تبين لاحقاً أن لها جمهورها من دول الغرب الأوربي، الذين كانو يتلهفون للحصول على نسخ من تلك المدونات، إضافة إلى أن تلك المدونات المسربة والتي سميت هي الأخرى باسم مختلف هو ماجنتزدا Magnitizda باتت مصدراً مهماً للصحفيين الأوربيين للحصول على أخبار لا تنشرها الصحف السوفيتية. كما تشير المصادر أيضاً إلى أن عدداً من كتاب تلك المدونات السرية اكتسبوا شهرة واسعة نظير كتابتهم فيها. نهاية الاتحاد السوفييتي خلقت تحولات عديدة في دوله، وورثت تبعات اجتماعية واقتصادية وثقافية لا حصر لها. غير أن ظاهرة السامزدات عاد إلى السطح من جديد بوجه آخر له خصائصه وسماته التي لاتختلف في أصلها عن مفهوم السامزدات. حاجة بعض الكتاب إلى اكتساب جمهور بعيداً عن الإعلام الرسمي، جعلت من المدونات خياراً مثالياً لهم. وفي جهة أخرى فإن تطور المجتمعات وتغير أنظمة الحكم في معظم دول العالم، لم يغير شيئاً كثيراً فيما يتعلق بالحريات الفكرية. فعلى الرغم من تعدد القنوات الفضائية والمطبوعات الصحفية إلا أن حرية التعبير ليست متاحة في كثير من دول العالم. لذلك جاء استخدام المدونات كخيار مثالي للتعبير عن الرأي نصاً وصوتاً وصورة. يرى متخصصون أن مدونات الانترنت والسامزدات بوصفهما سلوكاً إنسانياً تتقاطعان مع بعضهما الآخر وتشتركان في خصائص عديدة. أحد هذه الخصائص المشتركة، أن سرية الاسم وعدم نشر هوية الكاتب تعتبر سمة غالبة في الاثنتين، ومرد ذلك إلى الخوف من بطش السلطات. كما يرى آخرون أن معظم قراء المدونات والسامزدات هم ممن يشتركون في نفس الدائرة غالباً، فقراء السامزدات هم من كتابها وموزعيها، وقراء المدونات غالباً هم ممن يملكون مدونات مشابهة، وعلى الرغم من غرابة هذا الرأي إلا أن دراسات تشير إلى أن غالب قراء المدونات هم ممن يملكون مدونات أصلاً، ويودون الاطلاع على آراء الآخرين ممن يشاطرونهم الاهتمام.