بين المواطنة والصحافة .. كيف يستخدم الصحفي الشبكات الاجتماعية

فصل الصحفية اوكتافيا ناصر صيف ٢٠١٠ من شبكة سي ان ان بسبب رأيها في إحدى الشبكات الاجتماعية عن العالم الشيعي فضل الله، لم يكن الأول في سلسلة المشاكل التي تواجهها المؤسسات الإعلامية والصحفيون على حد سواء بسبب الشبكات الاجتماعية، كما أنها لن تكون الأخيرة أيضاً. القائمة تزداد في إعلام العالم غير العربي. تعود هذه المشاكل إلى سؤال جوهري أخلاقي في الإعلام.إذ أن من المسلم به في أخلاقيات الصحافة أن على الصحفي أن يكون محايداً. وعلى الرغم من اختلاف مفهوم الحيادية بين البشر، إلا أن من المتفق عليه في أبجديات الصحافة أن لايبدي الصحفي رأيه صراحة في الموضوعات التي يتناولها. هذه المعلومات ليست جديدة. غير أن الجديد ماذا لو أبدى الصحفي آراءه وتوجهاته في الشبكات الاجتماعية التي لا تأخذ شكل وسيلة الإعلام التقليدية، كما أنها ليست اتصالاً شخصياً صرفاً. هذه التدوينة تحاول أن تسليط الضوء على هذه القضية الحديثة نسبياً في علاقة الصحفي بوسائل الاتصال.

بعد ممانعة استغرقت سنوات، انضممت مؤخراً لتويتر، وقبله بسنوات للفيس بوك. أعتبر نفسي متحفظاً في إضافات الأشخاص إلى قائمة الفيس بوك. استخدامي الشخصي للفيس بوك يعكس نظرتي له، إذ لا أزال استخدمه على أنه وسيلة ترفيه وتواصل مع بعض الزملاء، مع قليل من الجدية أحياناً. لكن الأمر يختلف تماماً في تويتر. فطبيعته المختلفة عن الفيس بوك، تجعلني أتردد في تعريفه بأنه شبكة اجتماعية، رغم أن غالبية الناس يعتبرونه كذلك. على أية حال، بعد أن أضفت العديد من الزملاء الصحفيين والإعلاميين، دهشت لطريقة استخدامهم لتويتر. آراء الصحفيين كانت تظهر بصراحة في حساباتهم ويتداولها المئات. مع أن بعضهم يحاول أن يخلي مسؤولية وسيلته بالتأكيد على أن كتاباته لاتعكس رأي المؤسسة الإعلامية التي يعمل لها، إلا أن ذلك كان صادماً بعض الشيء. في أبجدياتي الإعلامية أن الصحفي لا ينبغي أن يظهر توجهه تجاه أي قضية حفاظاً على مهنيته ومهنية مؤسسته، لكن الواقع كما ذكرت مختلف إلى حد ما. في المقابل ثمة سؤال أو اعتراض يجب أن يطرح هنا. فهل على الصحفي أن يتخلى عن حقه الإنساني في إبداء آراءه وميوله واتجاهاته، لمجرد أنه صحفي. أليس لهذا الصحفي أحاسيس ومشاعر يود أن يتبادلها مع الآخرين؟

بصرامة بالغة، يؤكد الخبير في أخلاقيات الإعلام خافيير ريستريبو، في إحدى مؤسسات الإعلام في أمريكا اللاتينية أن التقنيات الحديثة لا تغير من أخلاقيات الإعلام شيئاً. فالأخلاقيات التي سرت منذ أيام مخترع الطباعة الأولى جوتنبرغ لاتزال صالحة لمستخدمي الانترنت، فالوسيلة لاتغير من أخلاقيات الصنعة شيئا. الانترنت باعتباره وسيلة إعلام قوية التأثير، يجب أن يصاحبه تحمل مماثل للمسؤولية. ويرى ريستريبو أن على الصحفي أن يلتزم بهذه الأخلاقيات باعتباره صحفياً ومدوناً في آن. وعلى الرغم من الصحفي يكتب في وسيلة الإعلام التي يعمل فيها ضمن خطوط المؤسسة العريضة، في حين أنه يكتب في الشبكات على الاجتماعية على مسؤوليته الخاصة. إلا أن الأخيرة لاتعفيه من مسؤوليته كصحفي يلتزم قول الحقيقة. في ذات السياق ترى أستاذة الاتصال في إحدى الجامعات المكسيكية، مارجريتا توريس أن للصحفي الحق مثل غيره من البشر في استخدام الشبكات الاجتماعية، لكنها تؤكد أن احترامه والتزامه بمهنته يفرض عليه قيوداً عديدة.

قد يكون من المتفق عليه أيضاً أن على الصحفي تحري الحقيقة حتى في الشبكات الاجتماعية، شأنه شأن أي مستخدم واع في فضاء الشبكات الاجتماعية الرحب. لكن الموضوع الأهم، هو ماذا لو قال الصحفي الحقيقة، لكنه أضاف آراءه وميوله الذاتية التي قد تبتعد عن المنطق أو الحقيقة كما فعلت ناصر. هذا هو مربط الفرس في هذه القضية الحساسة. في الغالب أن الناشط في ممارسة مهنته من الصحفيين يفهم أن عليه البحث عن الحقيقة والتأكد من الأخبار. لكن ماذا عن ميوله الذاتية. تخيل أن مذيعاً يقدم نشرة أخبار تحاول فيها مؤسسته الإعلامية أن تظهر مهنيتها في تناول الأخبار، لكن المشاهد العادي يعرف أن رأي المقدم مخالف لرأي المؤسسة ومخالف لما يذيعه. السؤال ماهو شعور المتلقي؟ وماشعور المذيع نفسه حين يعلم أن مشاهديه يعرفون رأيه المسبق في هذه القضية؟ بغض النظر عن اعتقاد بعضهم أن مايقوم به المذيع نوع من النفاق، وربما يرفضه بعضهم لهذا السبب. إلا أن آخرين لهم آراؤهم الوجهية في رفض التلقي من هذا المذيع، لأنهم ببساطة فقدوا الثقة فيه، وفي محاولته الحيادية كصحفي محترف. وهذا هو بالضبط مايخشاه القائمون على المؤسسة الإعلامية حين يستخدم صحفيوهم الشبكات الاجتماعية. أمر آخر قد يشوب مشاركة بعض الصحفيين في الشبكات الاجتماعية، حين يقوم صحفي متحمس بتسريب بعض الأخبار قبل مؤسسته التي يعمل لها. سيكون هذا الفعل محرجاً جداً لمؤسسته.

ربما لايروق هذا الحديث لبعض الإعلاميين من غير المتخصصين، لأنهم يرون أن هذا من تنظير أكاديميي الإعلام، الذي عادة مايكون منفصلاً عن الواقع المهني. ورغم أن لوجهة النظر هذه مايبررها، إلا أن مسؤولي المؤسسات الإعلامية يتفقون مع الأكاديميين في هذا الرأي خصوصاً  إذا كان القانونيون في مؤسسات الإعلام من الفاعلين فيها. كبير المحررين في واشنطن بوست ميلتون كولمن تجاوز التنظير إلى التنفيذ بعد بضعة تجاوزات من الصحفيين العاملين في واشنطن بوست في استخدام الشبكات الاجتماعية. فقد أرسل كولمن إلى صحفييه مايمكن تسميته بإرشادات حول استخدام الصحفيين للشبكات الاجتماعية. يستهل كولمن قوله بجملة قد تثير الكثير من الجدل يقول فيها، إنه يجب على الصحفيين في واشنطن بوست التذكر دائماً أنهم صحفيون في واشنطن بوست، الأمر الذي يعني أن عليهم أن يتخلوا عن بعض امتيازاتهم كمواطنين. وهو هنا قد يشير إلى وجوب التخلي عن حق الصحفي في التخلي عن حقه في التعبير عن رأيه كشخص. ويشرح ذلك بقوله أن على صحفيي المؤسسة أن يأخذوا بالاعتبار أن كل مايكتبونه حتى في حساباتهم الشخصية في الشبكات الاجتماعية يجب أن يتوافق ومعايير الصحفية المطبوعة منها والالكترونية  . كولمن ليس الأخير فقد سبقته صحيفة وول ستريت بحزمة من الإرشادات أكثر دقة ليس فيما يتعلق بما يكتبه الصحفيون في الشبكات الاجتماعية فحسب، بل بكل سلوك الصحفيين في الشبكات الاجتماعية، من الإرشادات الجديرة بالاهتمام توجيه الصحفيين بعدم إضافة أي شخص إلى قائمة الأصدقاء قد يكون من مصادر الأخبار السرية للصحفي، حتى لايفضح هذا المصدر أو يتعرض للخطر. كما تمنع التوجيهات الاستشهاد بقول أي شخص ضمن قائمة الأصدقاء في أي عمل صحفي، إضافة إلى وجوب إظهار شخصية الصحفي والغرض من الحديث عند التحاور مع أي شخص في الشبكات الاجتماعية.

الإرشادات السابقة غيض من فيض. مواقع الانترنت المتخصصة أفاضت الحديث في هذه النقطة،نظراًً لحساسيتها وربما للمشاكل القانونية التي قد تخلفها مشاركة الصحفيين. في رأيي الشخصي أن على الصحفي أن يستخدم تلك الشبكات بشكل متحفظ جداً، حتى لا يسيء لنفسه ويسيء لمؤسسته التي يعمل لها، نظراً لضبابية الحد الفاصل بين المؤسسة الإعلامية والصحفي الذي يعمل لديها.

مراجع الموضوع: