‎توظيف الإعلام الجديد لتبسيط العلوم

أقل من شخص واحد يقرأ الرسالة العلمية الواحدة، وقرابة ٩٠٪ من الأبحاث المنشورة لايستفاد منها في أبحاث أخرى، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من الكتب تبقى في بعض المكتبات أكثر من ٢٠ سنة دون لمسها. إحصاءات صادمة تلك التي أوردتها مسؤولة في مكتبة جامعة نورث أمبريا في مدينة نيوكاسل البريطانية. بحرقة واضحة كانت تتحدث عن أهمية استخدام وسائل الإعلام الجديد في نشر هذا الكم الهائل من الأبحاث والكتب العلمية الرصينة. بحسب تلك المسؤولة فإن معدل قراءة الرسائل العلمية بعد تحويلها إلى نسخ الكترونية قارب ٤٠٠ قراءة بعد أن كان أقل من قراءة واحدة في النسخة الورقية. المعادلة الصعبة ليست في تحويل الأبحاث والكتب والرسائل العلمية إلى مجرد نسخ الكترونية جامدة مثل تحويلها إلى ملفات PDF ‎ أو غيرها من الصيغ التي لاتختلف كثيراً عن النسخة الورقية. المؤتمر التدريبي الذي عقدته الجامعة أعلاه كان يطرح المعادلة بصيغة أعم وأصعب، كيف نجذب شريحة أكبر من الناس إلى أبحاثنا وهمومنا الأكاديمية عن طريق توظيف وسائل الإعلام الحديثة. خلال ورشة العمل طُرحت بعض التساؤلات الجديرة بالاهتمام، التساؤل الأول طرحه بعض الطلاب الدكتوراه الذين يدرسون موضوعات معقدة وبعيدة عن اهتمام معظم الناس، فالطالبة الأولى كانت تبحث في الأعمال الأدبية في إحدى القرون المتقدمة لروائيين بريطانيين قضوا انتحاراً،أما الآخر الذي لا يقل بحثه غرابة عن سابقته فهو يبحث في التاريخ الشفهي لإحدى الطرق القديمة في مدينة ليدز البريطانية. تساؤل آخر طرحه بعض الطلاب أيضاً، عما إن كان الباحثون يحتاجون إلى تبسيط المعلومة وإيصالها لكل الناس. أحد الطلاب المحبطين ختم التساؤلات بحديث قد يكون مبالغاً فيه، فبحسب الطالب فإن مجرد إخباره لأي شخص في المناسبات الاجتماعية بأنه يدرس الدكتوراه، فإن ذلك كفيل بوضع حاجز عريض بينهم، فسمعة طلاب الدكتوراه كما يقول سيئة بسبب أحاديثهم المعقدة التي لانفع منها في الغالب، فالاستماع إلى مهاترات الطاولة المجاورة في المقهى أفضل من الحديث مع طالب دكتوراه.
‎بدا أن طرف الحل سؤال سألته المحاضرة لأولئك الطلاب .. لماذا اخترتم مثل هذه الموضوعات لدراستها؟ ثم أعقبت قائلة إن العنصر الذي جذبكم لدراسة هذا الموضوع أو ذاك سيجذب بالتأكيد آخرين لقراءة أبحاثكم والإبحار في تخصصاتكم. مؤكدة أيضاً أن القصد من تبسيط النتاج الأكاديمي ليس جذب جميع الناس لجميع الموضوعات، بل إن الهدف هو توسيع دائرة الاهتمام لاغير. انخفاض تكلفة النشر على الانترنت واتساع المساحة، كفيل بإيجاد جمهور أكثر عدداً قد يصعب الوصول إليه بوسائل الإعلام التقليدية. لدى أطياف متعددة في المجتمع اهتمام بموضوعات قد لاتمس حياتهم بشكل مباشر، لكنهم يحبون الإطلاع على فنون أخرى من فنون المعرفة. إخراج الأبحاث المتخصصة من قالبها الأكاديمي الجامد إلى قالب أسهل وأقل تعقيداً وربما أسمح وجهاً من القالب الأكاديمي الذي قد يحصر قراءة الابحاث في المحكمين أمر يعتبر غاية في الأهمية خصوصاً إذا عرفنا أن الجامعات الحقيقة هي التي تعيش في قلب مجتمعها وهمومه. نحن بحاجة إلى ربط الناس بالعلوم المختلفة وربطها بمجتمعهم بطريقة أو بأخرى.
‎ إحدى التجارب اللطيفة في هذا المجال ماعرضه المتخصص في التاريخ السياسي وأحد الشخصيات المهمة في مجاله البروفيسور Steven Fielding. إذ قام بمبادرتين في هذا المجال، الأولى هي إنشاء مدونة ضمن صحيفة الجارديان البريطانية يتناول فيها بعض الموضوعات المتخصصة ويحاول أن يشد القارئ من نقطة الأحداث الحالية. أما المبادرة الثانية التي جاءت بمشاركة من زملاء آخرين وهي التي لاقت رواجاً سريعاً فهي قناة ومقاطع صوتية على الايتونز ومدونة بعنوان السياسة في ٦٠ ثانية. هذه المبادرة تتخلص في العبارة التي وضعوها عاليا قد لاتستطيع أن تسلق بيضة خلال ٦٠ ثانية، لكن خبراء السياسة في جامعة نوتنجهام يستطيعون أن يثبتوا لك أن باستطاعتك التعرف على المفاهيم السياسية خلال هذه المدة
You can’t boil an egg in 60 seconds, but political experts at The University of Nottingham are proving you can define a political concept.
‎ ويوضح أستاذ العلاقات الدولية وأحد القائمين على المشروع البروفيسور Wyn Rees دوافع هذا المشروع بقوله “إن لدى الكلية العديد من الخبراء في هذا المجال، ونرغب في إيجاد طرق لكسب الطلاب والزملاء، وأي شخص لديه أدنى اهتمام بالسياسة”.
‎ بحسب البروفيسور Wyn Rees فإن هذه الفكرة لقيت صدى واسعاً لدى الجمهور الذين فاق مئات الآلاف منذ عام ٢٠١٠ فقط. شملت هذه التجربة مدونة خاصة عن الانتخابات البرلمانية البريطانية لعام ٢٠١٠ إضافة إلى موقع اليوتيوب وقناة الايتونز، كما لقيت هذه التجربة صدى في الإعلام العالمي مثل سكاي و الديلي تيلجراف والبي بي سي والعديد من الصحف الأخرى التي وصفت المدونة على سبيل المثال كأحد أهم ٣ مدونات يجب قراءاتها خلال فترة الانتخابات.
‎من المهم في هذا السياق رؤية القائمين على هذا المشروع أنه امتداد لعمل الكلية وهذا هو المهم بكل تأكيد، فواجب المؤسسات الأكاديمية لاينحصر داخل أسوارها بل يمتد إلى خارجها وهو الأهم في العملية التنويرية والتعليمية.

‎روابط ذات صلة:

مدونة البروفسور Steven Fielding في موقع جريدة الجارديان

مدونة الانتخابات البرلمانية البريطانية ٢٠١٠

رابط قناة اليوتيوب

صفحة البروفسور Steven Fielding في جامعته