‎تعليقات القراء عبر الانترنت .. متلازمة الصداع والتفاعلية

بائسة تلك الدار حينما نادى فيها الشاعر ولم يجد أحداً يرد عليه، فقال:
ما في الديار من الأحبة مخبر .. إلا صدى لمصوت
ناديت أين أحبتي .. فأجبت أين أحبتي
في الاتصال يعتبر رجع الصدى في نماذج الاتصال أحد أهم عناصر العملية الاتصالية، كما في نموذج وليبرل شرام المكمل لنموذج شانون. وليس من المبالغة القول بأن رجع الصدى أحد المحفزات على تكرار الاتصال سواء في الاتصال الجماهيري أو الاتصال الشخصي. علامات التعجب التي ترتسم على وجوه الحاضرين، توحي بكثير من الطمأنينة للمتحدث، لأن الناس يتفاعلون مع حديثه. ولذلك كان من الصعب على أناس كثر مثل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن يتحدث إلى علبة جوفاء لايرى متلقين ولا يحدث إلا نفسه، وهذا بلغة الاتصال يحدث بسبب نقص أحد أركان العملية الاتصالية. الأمر لايختلف كثيراً في الاتصال الجماهيري، فرسائل القراء وتعقيباتهم على ماينشر في وسائل الإعلام، كانت حافزاً لكثير من العاملين في الإعلام على بذل المزيد. بل إن بعضهم لا يجد غضاضة في أن يقول إن غضب الجماهير أو الإجراءات الحكومية التي تتخذها السلطات بعد التقارير الإعلامية المثيرة هي رجع صدى، وبهذا المنطق فإن رجع الصدى هو حجر الأساس في العمل الإعلامي، رغم اختلاط هذا المفهوم بالتأثير.

مصدر الصورة http://www.iedp.com/

يؤكد المؤسس المشارك ورئيس التحرير لموقع هفنجتون بوست على الانترنت أنه يعجب جداً بردود الفعل الآنية التي يبعثها القراء عبر الانترنت. هذه التفاعلية تمنح القارئ والكاتب خبرة مشتركة، فالقارئ لم يعد متلقياً سلبياً ينتظر الأخبار فحسب. وهذا بالتأكيد إحدى ميزات الانترنت. إذ لم يكن يحلم الصحفي في أي صحيفة محلية أن يحظى بردود ١٠٠ قارئ على أي مادة صحفية يكتبها. فقبل ظهور الانترنت كان البريد هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في الحصول على رجع الصدى من القراء، ذلك أن الفاكس كان محصور الاستخدام لدى فئة معينة من الناس. أما الهاتف فلم يكن لدى كثير من القراء رغبة في استخدامه لنقل ردودهم إلى الصحف في غالب الأحيان. لذا نجد أن كثيراً من الصحف الورقية سارعت بالسماح للقراء بنشر تعقيباتهم في نسختها الورقية، في حين أن بعض الصحف مثل صحيفة الحياة، باتت تنتقي من ردود القراء عبر الانترنت، وتنشرها لاحقاً في النسخة الورقية في محاولة منها لتحفيز القراء على التعليق على موادها المنشورة على الانترنت. أما جريدة الرياض مثلاً فيتضح اهتمامها بردود القراء من خلال دعوتها القراء إلى التسجيل في موقعها والتعليق للحصول على جوائز ومكافآت.
‎في دراسة أجريت على تعليقات القراء في موقع قناة الجزيرة العربي، تبين من خلالها أن معدل التعليقات يصل إلى ٢٧ تعليقاً على الموضوع الواحد. كما بينت الدراسة أيضاً أن تعليقات القراء غالباً ماتنشط في أوقات الإجازات مثل يوم الخميس والجمعة والسبت

بحسب الدراسات الإعلامية فإن لرجع الصدى فوائد وسمات عديدة منها التصحيح والإضافة أو المعارضة والتأييد، أما دراسات الإعلام الالكتروني فأضافت بعض الفوائد التي لاتخرج كثيراً عن فوائد رجع الصدى بشكل عام، من ضمن هذه الفوائد والسمات،التفاعلية بين القراء أنفسهم، وما تتضمن من تصحيح أو تكذيب. إضافة إلى أن من فوائد التعليقات أيضاً إضافة مادة جديدة إلى الموضوع الصحفي عن طريق القراء، الأمر الذي يمكن الاستفادة منه في كتابة مادة صحفية أخرى، وهو مايفعله الكاتب في جريدة الرياض فهد الأحمدي.
‎لايمكن الحديث دائماً بإيجابية عن تعليقات القراء وفوائدها، يصف أحد الباحثين تلك التعليقات بقوله “على الرغم من أهمية التعليقات في موضوع التفاعلية في عصر الالكتروني إلا أن تلك التعليقات في الغالب تشبه كثيراً الخربشات على جدران الحمامات، مجهول ‎كاتبها، هجومية، ومليئة بالكراهية. لست بحاجة لتطبيق هذا الوصف على صفحات عربية. يمكن لأي متابع أن يلحظ ذلك بجلاء في العديد منها للأسف.

‎أمضيت وقتاً طويلاً في محاولة تتبع تجارب المواقع الإخبارية على الانترنت مع ردود القراء على موضوعاتها المنشورة. بشكل عام يمكن تقسيم تلك المواقع إلى قسمين، القسم الأول مايسمح بنشر تعليقات القراء بشروط سهلة بعد الاطلاع عليها. أما القسم الثاني، مايسمح بنشر تعليقات القراء، مع قائمة من الاشتراطات الطويلة. قد يكون من المناسب السؤال، لماذا لا يمكن للقارئ التعليق مباشرة، مع أن سهولة التعليق تحفز الكثير من القراء على التعليق وهو ما سيعود على الموقع بكثير من النفع. بشكل مختصر، يمكن القول بأن الخوف من الدعاوى القانونية، يعد العامل المشترك في منع الصحف لقرائها من التعليق مباشرة. إضافة إلى أسباب متعددة يمكن حصرها بالتالي:
‎١- الخوف من الإساءة للصحيفة نفسها.
‎٢- الخوف من الدعاية .
‎٣- الخوف من الرسائل المزعجة “السبام” التي يمكن أن تهدد الموقع تقنياً.
‎فيما يتعلق بالقسم الأول، تعتبر العديد من الصحف السعودية والقليل من الصحف العالمية نموذج لهذا القسم، وذلك لحرصها على الحصول على أكبر عدد ممكن من تعليقات القراء. إضافة إلى ذلك تعتبر صحيفة تايمز اوف انديا مقاربة للصحف السعودية. وقد وضعت تنبيهاً قصيراً لمن يريد التعليق “التعليق سوف يراجع، وسوف ينشر إن كان متصلاً بالموضوع، وغير جارح”. وبعد ذلك يمكن كتابة التعليق وإرساله

طريقة التعليق في صحيفة تايمز اوف انديا

طريقة التعليق في صحيفة تايمز اوف انديا

‎فيما يتعلق بالقسم الثاني من المواقع ذات الاشتراطات الطويلة. فهي في الغالب المواقع العالمية الشهيرة مثل موقع البي بي سي والسي ان ان. وبعض المواقع الأخرى. ففي حين تشترط مواقع القسم الأول اشتراطات سهلة، تبالغ بعض المواقع في القسم الثاني في اشتراطاتها، لدرجة أن صحيفة صن كرونيكل الأمريكية، وهي صحيفة غير مشهورة، وضعت اشتراطات في غاية الغرابة، فقد اشترطت الصحيفة على من يريد التعليق أن يملأ استمارة تسجيل طويلة، تتضمن أرقام هواتفه ورقم بطاقته الإئتمانية التي سيخصم منها بضع سنتات لأجل التأكد فقط. وذلك ربما للتأكيد على من يريد الكتابة أن شخصيته معروفة ويمكن الوصول إليه بسهولة لمقاضاته. نتيجة لهذا، لم أستطع أن أصل إلى تعليقات للقراء في تلك الصحيفة، وعلى الرغم من غرابة تصرف الصحيفة وإقصائها لتعليقات القراء إلا أنها قد تفكر أيضاً في كلفة مراقبة التعليقات، وتجد أن الاستغناء عن تعليقات القراء بطريقة غير مباشرة، أوفر وأكثر أماناً من وجود التعليقات. خصوصاً إذا علمنا أن بعض الدراسات تشير إلى أن من يعلق على الموضوعات في مواقع الانترنت لايكتفي بتعليق واحد فقط. بل إن بعضهم يكتب من تعليق إلى ٣ تعليقات في الموضوع الواحد. وأربعة تعليقات في إجمالي الموقع.
‎يعتبر موقع البي بي سي أحد أقدم المواقع التي سعت إلى استقطاب تعليقات القراء منذ فترة طويلة. ولضخامة الموقع والخوف من المسؤولية القانونية فإن موقع البي بي سي يعتبر مدرسة في وضوح الاشتراطات وآلية نشر التعليق. في صفحة طويلة وواضحة وضع الموقع قائمة الاشتراطات التي يجب أن تتوفر فيمن يريد الكتابة والمادة التي سيكتبها، إضافة إلى العديد من المعلومات القانونية التي توضح بشكل أو بآخر أن بي بي سي ستكون مسؤولة أمام القانون فيما ينشر في موقعها حتى ولو كانت المادة كتبت من قبل القراء وليس المحررين، ودرجة مسؤوليتها لاتختلف عن درجة مسؤولية الكاتب نفسه. وهي لذلك تريد أن تحمي نفسها قانونياً، وفي الوقت نفسه فإنها تريد الحفاظ على مستوى عال من تعليقات القراء. يمكن القول باختصار إن التعليق في موقع البي بي سي يمر بثلاث مراحل:
‎الأولى: رقابة ماقبل النشر
‎الثانية: رقابة مابعد النشر
‎ الثالثة: رقابة القراء أنفسهم عن طريق الإبلاغ عن أي تعليق يرونه غير ملائم
‎وبحسب البي بي سي فإنها قد خصصت فريقاً من المراقبين لتعليقات القراء، يمتلكون صلاحية نشر وحذف تعليقات القراء بما يتوافق واتفاقية الاستخدام، ويساند الفريق مرشح آلي يحذف بعض الكلمات تلقائياً.
‎من ضمن التجارب الأخرى التي يجدر الإشارة إليها، أن بعض المواقع وإن لم تكن بشهرة البي بي سي، اكتفت برقابة القراء فقط. إذ أن أي رد يشتكي منه عدد معين من القراء فإنه يحذف مباشرة دون أي تدخل بشري. ورغم ذكاء الفكرة إلا أن المواقع الكبرى لا يمكن أن تخاطر باستخدام تلك الطريقة لوحدها، وإن كانت لاتستغني عنها كما في حالة البي بي سي.

‎هل إخفاء هوية الكاتب مفيد؟
‎يتضح مما سبق أن جميع وسائل الإعلام الالكترونية تقريباً لاتفضل المعلقين ممن تجهل هويتهم، لذلك فإن جميع الاشتراطات السابقة تسعى للحد من إخفاء الهوية. غير أن سؤالاً يطرحه البعض، ألا يمكن أن يكون إخفاء الهوية مفيداً أحيانا؟

السؤال الذي يوجه دائماً لمن يريد التعليق .. من أنت؟

‎بطبيعة الحال يتوقع أن الجواب يختلف في المنطقة العربية عن دول العالم الغربي على سبيل المثال. غير أن الجواب لايختلف كثيراً، جين بالون التي قيمت تعليقاتها بتقييم مرتفع قرابة ٥٠٠ مرة في جريدة الوول ستريت جورنال، أشارت إلى أنها تلقت تهديدات بالقتل بسبب تعلقياتها. الأمر لايختلف كثيراً في المنطقة العربية، فكثيرون تعرضوا لاعتقالات تعسفية بسبب إبداء آرائهم في مواقع الانترنت المختلفة. ولذلك يرون أن إخفاء الهوية أمر مفيد لهم. المختلف بين العالمين أن ضابط المسموح والممنوع يختلف كثيراً بينهما. في موقع البي بي سي يمكنك التعليق بانتقاد المسؤول مثلاً وينشر التعليق لأنه لم يخالف شروط النشر، لكن انتقاد المسؤول في بعض الصحف العربية لايخالف شروط النشر المعلنة لكنه ممنوع. إضافة إلى ذلك، فإن الكتابة باسم صريح عند التعليق في الصحف العربية من شأنه بكل تأكيد أن يقلل من مستوى صراحة المعلق أياً كان السبب، وذلك لعلمه المسبق بأن تعليقه قد لاينشر أو قد يعرض لمشاكل أمنية حتى لو وافق الرقيب على نشره.

‎الكتابة عن تعليقات القراء على مواقع الصحف الالكترونية، موضوع طويل جداً، أجد أنني أنتهي منه مجبراً وفي ذهني نقاط متشابكة ومتعلقة بالموضوع. لكني وددت فقط الإلماح إلى هذه النقطة الفارقة في خصائص الإعلام، ومحاولة إلقاء الضوء عليها من ناحية إعلامية مفيدة للمرسل والمستقبل. والموضوع بحاجة إلى مزيد من التناول خصوصاً فيما يتعلق بخصائص القراء ودوافعهم للتعليق على الموضوعات الصحفية، إضافة إلى أكثر الموضوعات تعليقاً، وهل يمكن استنباط رأي عام من تعليقات القراء. وغير ذلك من الأسئلة التي أثارها البحث في هذا الموضوع.