الفن ناقص ضلع

أربعة أشهر مرت على طرح فيلم The Artist في دور السينما. حتى أيام العرض الأخيرة،لاتزال الصالات تعج بالمشاهدين. بهدوء نال خمسة جوائز أوسكار، رغم أنه بالأبيض والأسود عام ٢٠١١ ودون صوت أيضاً!  كنت أعرف قبل مشاهدته أنه دون صوت، لكنني لم أستوعب ذلك إلا بعد أن علق صديقي قائلا رغم أن مدة الفيلم كانت ١٠٠ دقيقة إلا أنني نسيت أنه دون صوت بعد أن تاه في تفاصيل هذا العمل. بعدها تذكرت أنه بالأبيض والأسود أيضاً.

كيف لفيلم يصدر في عام ٢٠١١ بالأبيض والأسود، ودون صوت، أن يفوز بخمس جوائز وملايين المشاهدين، رغم عشرات الأفلام التي تجاوزت الأفلام الملونة إلى الأفلام بالبعد الثالث والبعد الرابع أيضا؟

أعتبر أن الفن والإعلام يندرجان تحت مظلة الإبداع الذي لايوجد أطر تحدده ولا لون يصبغه. حينما يريد أحدهم أن يبدع فإنه ليس بحاجة إلى استكمال أدوات محددة لفعله الإبداعي، هو بحاجة فقط إلى التعبير الذي سيجد طريقه إلى قلوب الناس وعقولهم بالوسيلة المتاحة أيا كانت. في فضاء الانترنت يمكنك الاطلاع على تجارب فنية مدهشة اعتمدت على أدوات بدائية أو دون أدوات أيضا، لكنها شكلت عملا لايمكن لمشاهده إلا التصفيق له. يرسم أحدهم بالرمل، وإحداهن بالماء، وثالث يشكل يديه على هيئات طيور وحيوانات. ويعزف أحدهم بفمه فقط، وآخر يصنع من النفايات عملا فنيا ينافس به في كل محفل.

انعدام الأدوات، والعجز عن استخدامها في بعض الأحيان، أو اختيار الاستغناء عنها في الأعمال الإبداعية لايعني تقديم عمل فني ضعيف لانعدام الأدوات. حينما حرم الإسلام رسم ذوات الأرواح ونحت التماثيل، لم يكن ذلك التحريم نهاية الفن أو أفول نجم الإبداع. لقد ابتكر المسلمون فنون عديدة للتعبير عن إبداعهم ومكنوناتهم بطرق مختلفة. لايزال النقاد مختلفين في ماهية الزخرفة الإسلامية. ولاتزال لوحات الخط العربي وانحناءاته الساحرة فنا ملهما للمبدعين ومثيرا لعشرات الأسئلة وعشرات النظريات في فلسفته وتعبيره. ماتبقى من فنون العمارة الإسلامية شاهد على أن رغبة الإبداع لايحدها حد ولايمنعها قيد من أن تصل إلى متذوق متلهف وهاو مستكشف.

يعتمد الخط العربي على العين وسيلة لجذب المتلقي. حين تقع عين المشاهد على لوحة خطية بديعة، فإنها تملك إحساسه كاملا وليس عينه فقط، تسحره اللوحة فينسل إلى عالمها منهمكا في دقائقها، رغم أن لاصوت يخرج منها، لكنه الإحساس بكمال الفن وإبداع الفنان. فاللوحة الخطية كما يقول المتنبي: تملأ مسمعي من أبصرا. أو كقول ابن الخشاب البغدادي : تناجيك بالأسرار أسرار وجهه… فتسمعها بالعين مادمت تبصر.

في الشعر العربي قال بشار بن برد بيته الشهير

كأن مثار النقع فوق رؤسنا .. وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه

من يصدق أن مبدع هذا التشبيه الساحر شخص أعمى، لكن عماه لم يمنعه من هذه التشبيهات المدهشة، ولم يثنه عن الإبداع الشعري طوال حياته.الأمر ذاته يجري على بيتهوفن، ذلك الموسيقي الألماني الذي فقد سمعه في أوج نشاطه الفني، لكنه لم يغير من حسه الفني شيئاً. يتحدث النقاد دائماً السيمفونية الخامسة والتاسعة التي أنتجها بيتهوفن بعد صممه، كانتا أجمل ما ألف من سيمفونيات.

لطالما أثير في الإعلام جدل المسموح والممنوع والرقابة والإبداع. يتحدثون بأن الرقابة قد تقتل الإبداع وتحده. غير أن آخرين يعتقدون أنها جاءت بأدوات فنية جديدة مثل الرمز والتورية اللتان تعدان قيمة فنية عالية.

في عالم الإخراج الصحفي، يحدث أن ترى صحيفة لاتستطيع أن تكمل صفحتها الأولى لبؤس إخراجها وتنافر ألوانها، غير أن مايسحرك فعلاً، حين تتصفح جريدة اختار مخرجها أن يستغني عن بعض الأدوات طمعا في مظهر معين يشد القارئ بدلا من أن ينفره. ففي الوقت الذي يحشد المخرجون أدوات الفنية لجذب القارئ، يسعى آخرون لتحييدها طمعا في جذب القارئ بطريقة أخرى. في فترات سابقة كنت أحرص على جمع أعداد مختلفة من صحف العالم، محاولا التعرف على أنماط الإخراج وتفكير المخرجين. كان عالما بديعا حقا. لا أستطيع تذكر الأسماء الآن، لكني أتذكر أمثلة لاتزال تدهشني حين أفكر فيها. إحدى الصحف الفرنسية حسب ما أذكر أبى مخرجها إلا أن تكون كل الصور الواردة في الجريدة صورا طولية، ولامجال لغيرها. في حين اختار مخرج صحيفة أخرى أن يستعيض عن الصور في الجريدة بالرسوم فقط، لدرجة أنه ألزم المعلنين بذلك، وأقروا له مذعنين لشهرة الجريدة. الإبداعات الفنية التي خرجت بسبب القيود ونقص الأدوات، هي مايجعل الفن متجددا أخاذا. الفنان الذي يتعلل بالأدوات لربما ليس فنانا حقا، بل هو مؤد لا اكثر. في السعودية يسحرك رصف الأحجار في بيوت جنوب الجزيرة العربية،وتدهش للمسات الألوان التي تزين بعض جدرانها العتيقة. أما البناؤون في نجد فلم يتعللوا بنقص الأحجار لإبداع طرازهم المعماري. جاءت بيوت الطين لوحة بصرية ماتعة، يجللها الشرف الذي يعلو جدرانها، والجبس الذي يكحل نوافذها. كانت البيئة المحلية هي مصدر الأدوات وكانت النتيجة هذا الجمال.

إن تعليل ضعف الإبداع أو انعدامه بقلة الأدوات أو الرقابة، تعليل غير مقنع. سير المؤلفين والرسامين والخطاطين والأدباء كانت شاهداً على أن الإبداع لايحده إطار ولايمنعه رقيب، بل قد تكون سلمات في درجات الرقي الفني، كما تحدثنا أعمال المبدعين الباقية.