حكاية صورة غير مهمة

صورة الإعلان بعد أن غطته الشركة بإعلان بديل ولون مختلف

كثيرون مروا هذا الصباح بجانب هذه اللوحة ولم يعيروها اهتمامهم، فهي مجرد إعلان ضمن عشرات الإعلانات يمرون عليها في بريطانيا صباحاً ومساءً. من يعرف الألوان التي تكون هوية (سانزبري) سلسلة المتاجر الغذائية الشهيرة، قد يتوقف قليلاً. من يعرف قصة هذا اللون سيتوقف ملياً. كنت أحد أولئك الذين استرعى هذا التغيير انتباههم، خصوصاً حينما لاحظت في الصورة أن هذا اللون يغطي إعلاناً سابقاً كما توضحها يد صديقي في الصورة. هذا التغيير السريع من سلسلة متاجر بريطانية ضخمة يوحي أن ثمة شيئاً ما خلف هذا اللون “الغريب” على سانزبري.

بدأت القصة حينما دشنت سانزبري حملة إعلانية ضخمة رصدت لها مبلغ ١٠ ملايين جنيه استرليني (٦٠ مليون ريال) تقريباً. تحت عنوان “feed your family for £50” تقول سانزبري إن بإمكان أي رب أسرة أن يدفع فقط ٥٠ جنيه أسبوعياً ليقدم وجبات غذاء متكاملة صحياً لأسرة مكونة من ٤ أشخاص، حينما يشتري من منتجاتها وفق طريقة معدة سلفاً. حققت هذه الحملة نجاحاً واسعاً داخل الأسر البريطانية خصوصاً أنها جاءت في وقت تعاني فيه بريطانيا من أزمة اقتصادية خانقة، وحازت هذه الحملة الإعلانية على الجائزة الذهبية من IPA Effectiveness Awards باعتبارها فكرة ابتكارية ذكية في الإعلان والتسويق.

نجاح سانزبري في حملتها لم يستمر طويلاً. قدم سبعة ناشطين شكاوى متعددة إلى إدارة معايير الإعلانات البريطانية ASA، يقولون فيها إن إعلان شركة سانزبري غير دقيق؛ إذ لا يقدم سعرات حرارية كافية للأطفال بحسب مقاييس وزارة الصحة البريطانية. ردت سانزبري بالقول إن إعلانها يقدم ٧٥٪ من السعرات الحرارية المطلوبة، فيما يفترض أن تأتي ٢٥٪ الباقية من الوجبات الخفيفة بين الوجبات الرئيسة. المشتكون ردوا بأن وزارة الصحة تقول إن ٨٠٪ من السعرات الحرارية يجب أن تأتي من الوجبات الرئيسة و٢٠٪ من الوجبات الخفيفة. وهنا يتبين أن اعتراض المعارضين حول نسبة ٥٪ من السعرات الحرارية، ويرون أن هذا مبرر كافٍ لاعتبار إعلان سانزبري مخادع وغير دقيق ويجب سحبه. برنامج Watchdog الذي يعرض على قناة بي بي سي الأولى، قام بحملة أيضاً يشرح فيها خداع سانزبري في موضوع عدد السعرات الحرارية ونسبة ٥٪ المختلف فيها.

أحد الإعلانات التي أثارت المشكلة

قرار إدارة معايير الإعلانات البريطانية جاء موافقاً لرأي المشتكين، أكدت الإدارة أن إعلان سانزبري كان مضللاً وغير دقيق. على الرغم أنها تفهمت اختلاف حاجات الناس، إلا أنها رأت أن بعضهم قد يضطر إلى شراء مكونات إضافية لتكملة النقص الحاصل، وهذا يعني عدم دقة إعلان سانزبري وتضليله للمستهلك. وطالبت الإدارة سانزبري بسحب جميع إعلاناتها، وعدم إعادة الحملة قبل التأكد من دقة الإعلان فيما يتعلق بالسعرات الحرارية.

يبدو أن قرار إدارة الإعلان كان مبالغاً فيه، خصوصاً إذا علمنا أن نسبة السعرات الحرارية والسعرات الحرارية نفسها غير دقيقة، والاختلاف في نسبة ٥٪ اختلاف قد لايدعو إلى منع إعلان بحجة خداع المستهلك أو تضليله. لكن وجود سلطة مختصة في مراقبة المعلن أمر لاغنى عنه في فضاء مفتوح. في العالم الرأسمالي لا يردع التاجر شيء سوى قانون قوي، لأن همه المال وقد لايعنيه مايخلفه البحث عن المال بطريقة غير مشروعة.

ليست بريطانيا استثناءً في الرقابة على الإعلانات فهناك دول عديدة تمتلك أجهزة إدارية تراقب الإعلان أياً كان مكانه، طالما كان داخلا ضمن تعريف الإعلان. أستراليا وأمريكا تعدان من الدول النشطة في هذا المجال. ليس من المستغرب أن صلاحيات هذه الإدارات تشمل إعلانات الانترنت، ولكل وسيلة إعلانية قواعدها المنظمة التي يقاضى من يخالفها. بإمكان أي شخص التقدم بشكوى ضد أي إعلان يراه، وتتابع هذه الإدارات تلك المخالفة وتتواصل مع المعلن بشأنها. الغريب أن بعض هذه الإدارات في تلك الدول ليست حكومية ولا تملك قرارات ملزمة، كل ماتملكه فقط وثيقة شرف تنظم العملية الإعلانية، ويمكنها رفع قضايا أمام محاكم الدولة باستخدام قوانين الدولة نفسها.

في المقابل، أشاهد بين الفينة والأخرى إعلانات تجارية على قناة MBC التلفزيونية، وجريدة الرياض السعودية أستغرب كثيراً من صفاقة المعلن، كما أستغرب من قلة وعي الوسيلة أو تجاهلها مضمون الإعلان والسماح لهذه الإعلانات بأن تعبر إلى المشاهد. يعتقد بعض القائمين على الوسائل الإعلامية أن الإعلان شيء خارج عن سيطرة القائم بالاتصال، وأن مهمة القائم بالاتصال تنحصر في الاعتناء بالمادة التحريرية فقط، أما الإعلان فمسؤولية المعلن وحده. هذا الهروب من التحكم في المعلن يعود في المقام الأول إلى خوف القائم بالاتصال من سطوة المعلن، وأن أي تدخل من صاحب الوسيلة في محتوى الإعلان هو قرار ضمني بطرد المعلن. من المسلم به أن القائم بالاتصال ليس بحاجة إلى أن يكون ملماً بكافة المعلومات وأن يجري أبحاثه على كل إعلان للتأكد من صلاحيته، لكن عليه أن يقوم بالحد الأدنى من الرقابة. هذه الرقابة ينبغي أن لاتكون الوحيدة على الإعلان، النقابات والجمعيات المتخصصة أو الحكومات، يجب أن تبادر إلى إنشاء هيئات مستقلة للرقابة على الإعلان لصالح المستهلك.

معلومات عامة عن شركة سانزبري:

* تمتلك أكثر من ١٠٠٠ فرع حول بريطانيا.

* يتجاوز عدد موظفيها ١٥٠ ألف موظف.

* صافي الدخل لعام ٢٠١١ قرابة ٦٤٠ مليون جنيه استرليني.

مراجع حول الموضوع:

تقرير جريدة الجارديان

Brand Republic

معلومات عن سانزبري من ويكيبديا