كيف أحب الغريب مدينة لا تشبهه

مستعداً للرحيل، أتفقد كل شارع في المدينة التي كرهتها قبل أن أطأها. أستذكر محالها وحدائقها ومرارة الفراق تعكر مسيري. السؤال الذي لم يرد أن يهدأ طوال أيام، كيف أمكن لغريب أن يشعر بمرارة فراق مدينة لا تشبهه. كيف يمكن لضنين بالمشاعر أن يجروء على تسطير شعوره تجاه مدينة؟!
رغم أن عدد سكان مدينة ليدز يتجاوز ٧٥٠ ألف نسمة. إلا أن قرابة أربعة أعوام فيها، لم تشعرني سوى أنها قرية صغيرة، تعرف أطرافها كما تعرف سكانها. أما وسط مدينتها فمنزلك الكبير. فكيف أحس طالب غريب فيها أنها مدينته، رغم أنه لم يفكر يوماً أن تكون مقراً له وسكنا.
ما أدركته بعد تفكير طويل أن “إعلام المدينة” كان أحد أسباب ألفة غريب مع مدينة قديمة التاريخ، متنوعة الأعراق والأديان، ممتدة الأرجاء. خلال سنوات، اكتشفت أنني أعرف الكثير عن المدينة. أعرف أحداثها ومشاهيرها، أعرف تاريخها ومستقبلها، أعرف مشاكلها وميزاتها. يمكن القول إن الأسباب “الإعلامية” التي سبب هذه الألفة والعلاقة مع المدينة تتلخص في أسباب ٣ رئيسة.

الصحافة اليومية:
هناك العديد من الصحف اليومية التي تغطي أخبار المدينة، غير أن أبرز صحيفتين هما يوركشير بوست، ويوركشير ايفننغ بوست. عمر الأولى ٢٦٠ عاماً، وعمر الثانية ١٢٤ عاماً. يحتفظ سكان المدينة بعلاقات وطيدة مع الصحيفتين. العديد من المحلات تضع قصاصات الصحيفة في مداخلها، سعادة بما كتبته عنهم. كبار السن أيضاً يحتفظون بقصاصات مشابهة لأحداث مهمة لهم وقعت في مدينتهم. التصفح المستمر لهذه الصحف كما بقية الوسائل الإعلامية يمنحك معرفة عميقة بالمدينة التي تسكنها، فالأحداث المنشورة غالباً ماتكون قد وقعت عن يمينك أو شمالك. وكما هي عادة الصحف البريطانية، فإن أكشاك بيع الصحف المنتشرة في المدينة تطبع كل يوم ورقة كبيرة توضع على الكشك، تسرد الأحداث المحلية التي غطتها الصحيفة، والأحداث المحلية هنا يقصد بها أحداث المنطقة التي يقع فيها الكشك على وجه التحديد.

٠ بي بي سي لوك نورث:
في عام ١٩٦٨ بدأت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، بث نشرة يومية اسمها لوك نورث”. من خلال مقر بي بي سي في مدينة ليدز، يغطي البرنامج وفق أوقات محددة يومياً كافة أحداث المنطقة بما فيها مدينة ليدز. لا تغطي النشرة فقط أحداث المدينة، بل تقدم تقاريراً ميدانية عن أحداث المدينة وفعالياتها. كما تسلط الضوء على المشاكل التي تواجهها المدينة، وتحاول أيضاً إبراز الشخصيات المميزة في المدينة. تعتبر نشرات لوك نورث بحسب الإحصاءات أكثر البرامج التلفازية متابعة في منطقة يوركشير.

الانترنت والشبكات الاجتماعية:
الانترنت:
يقدم موقع المدينة الرسمي على الانترنت، كافة الأخبار والمعلومات التي يحتاج إليها الفرد، كما أن مواقع القطاعات الأخرى مثل الشرطة، وجمعيات المجتمع المدني، تقدم كافة المعلومات في مجالها، مايجعل الفرد معها يعرف كل مايدور في المدينة من فعاليات وأحداث. كما يعرف بمن يتصل حينما يريد شيئاً.
إضافة إلى ذلك، فإن موقع بي بي سي على الانترنت يربط كل سكان المقاطعات بأخبار منطقتهم وقراهم. تقدم بي بي سي مفهوماً مختلفاً لصحافة الانترنت. لاتحدث بي بي سي صفحات المناطق إن لم يكن هناك مايستحق النشر. تمكث بعض الأخبار أياماً على صفحات البي بي سي دون تغيير. الأهم ربط زائر الموقع بمدينته ومنطقته مهما صغرت أو قلت أهميتها مقارنة ببقية المناطق.
الشبكات الاجتماعية:
الهيلوكبتر المزعجة التي تحوم فوق رأسك في منتصف الليل، يمكن أن تعرف سبب دورانها ومتى ستتوقف، بمتابعة حساب هيلوكبتر الشرطة على تويتر. تخبرك شرطة المدينة عن مواصفات اللص الذي سرق محطة البنزين مساء أمس، وتطلب من سكان الحي المساعدة في البحث عنه. كل هذه الأخبار يبثها حساب الشرطة في تويتر وفيس بوك. تخبرك الشرطة عبر حساب خيل الشرطة في تويتر، أن أفراسها التي استعارتها شرطة المدينة المجاورة لضبط الأمن خلال مباراة جماهيرية، قد عادت بسلام إلى إسطبلاتها باستثناء واحدة قد جرحت. كما يخبرك حساب البلدية في تويتر عن استعدادت البلدية للأمطار والثلوج المقبلة، ويقدم لك بعض النصائح حول هذا الموضوع. قد يرسل حساب البلدية أيضاً طلب رأي الجمهور في قضايا تمس أحياءهم، يمكن أن تجد استطلاعاً أرسله حساب البلدية في تويتر عن جدوى ترك إضاءة الشوارع الفرعية مفتوحة في منتصف الليل.

حينما يلعب الإعلام دوره في ربط الناس بمجتمعهم، فإنه يحول المدينة الكبرى إلى قرية، والآلاف من الناس الذين لايعرفون بعضهم، إلى زملاء برابط المدينة المشترك بينهم. ينسى الفرد ضخامة المدينة حين يعيش تفاصيلها. حين يشاهد الفرد جاره في وسائل الإعلام، أو مدرسة ابنه، فإنه يعرف أن هذا الإعلام يدور حوله وله. يشعر أنه يعرف المدينة كما يعرف منزله. تدفعه المعرفة بمدينته إلى الافتخار بها، والمشاركة في أنشطتها، وتقديم الملاحظات، ومحاولة تقويم ما اعوج من خدماتها. يكتشف الفرد فيها بعد فترة أنها مدينته حقاً بكل مايعنيه الضمير.