قوائم المؤثرين في الشبكات الاجتماعية.. تسويق الوهم بثياب العلم

تحت عنوان جذاب ومنتظر أطلق ”المرصد السعودي للإعلام الاجتماعي” تقريراً وصفه بالأول من نوعه، عن دوائر التأثير وقائمة أقوى المؤثرين في الشبكات الاجتماعية السعودية، وفق النشاط المهني. قلبت صفحاته سريعاً لأنني أعرف أن مثل هذه التقارير ستلقى رواجاً في أوساط الناس وغالباً بين أوساط أولئك الذي مر التقرير على أسمائهم. الأسماء الواردة في التقرير، سواء كانت شخصية أو اعتبارية، هي أسماء تتكرر في الشبكات الاجتماعية دون جدال. لكن النقطة التي تحاول هذه التدوينة إثارتها، هي منهجية مثل هذه التقرير وأسماء الباحثين.
مع خالص الاحترام والتقدير لمدير للمرصد السعودي للإعلام الاجتماعي الذي يقول التقرير إنه أحد مشاريع عنكبة، التي تتضمن أيضاً الأكاديمية العربية للإعلام الجديد، فإن من المهم أولاً قبل كتابة التقرير الاطلاع على الأسماء المشاركة في صناعة التقرير ومؤهلاتهم وخبراتهم العملية. لا يظهر التقرير سوى اسم شخص واحد لا يمكن العثور على معلومات وافية عنه. إضافة إلى ذلك فإن كل مايذكره التقرير عن المشاركين هو القول إنهم مجموعة من المهرة من السعودية واليابان والولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الوصف هو وصف فضفاض يصلح لوصف كتاب مقال رأي لا أكثر، وليس لإضافة معلومات عن باحثين في تقرير بعنوان ضخم مثل التأثير الاجتماعي في السعودية. جنسية الباحث في نظري لا تضفي أي صبغة علمية، فالمفترض سرد هذه الأسماء ووظائفها في كتابة التقرير أو مؤهلاتها.
علاوة على ذلك، فقد أورد التقرير أسماء ثلاث مؤسسات متشابكة الأولى المرصد السعودي للإعلام الاجتماعي، إضافة إلى عنكبة، والأكاديمية العربية للإعلام الجديد. عند البحث عن الاسم الأول فإن كل مايظهر هو موقع إخباري يضع مقتطفات من الصحف والمواقع الالكترونية. وهنا نطرح تساؤلا عن معنى مرصد، فالموقع لا يختلف عن مواقع صحف الانترنت مثل الوئام وسبق وأنحاء وغيرها، بل إن عدداً من المواد التي اطلعت عليها هي مجرد مواد منقولة من مواقع أخرى. وعند البحث عن أسماء العاملين والراصدين فلا يظهر أي شيء عنهم. حينما تتجه إلى الاسم الثاني وهو عنكبة التي تمتلك موقعاً على الانترنت، فإن كل مايظهر لك هو شعار جميل على يسار الصفحة، وصورة مبنى جميل أيضاً على يمينها وعناوين اتصال. لا يمكن التعرف على عنكبة ولا أعمالها ولا منهجها. فالموقع هو صفحة واحدة فقط. أما الاسم الثالث وهو الأكاديمية العربية للإعلام الجديد، فهو اسم جذاب جداً ونشاط منتظر، لكن الموقع لا يكشف عن أية مواد أكاديمية ولا حتى أسماء باستثناء مادة يتيمة كتبها محمد الشريف. هذه المادة هي مقالة مفيدة ذات معلومات جيدة، لكنها ليست ورقة أو بحثا. حينما تقول أكاديمية فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى مكان يقدم مواداً علمية أكاديمية. أما هذا الموقع فهو على طريقة مايسمى (Buzzfeed style) وهي موضوعات على نمط خمس نصائح لكتابة رسالة، أو كيف تجذب المتابعين، أو عشرة صور لأجمل القطط. هي ليست مواد علمية وإنما اقتباسات صحفية يشكرون عليها وعلى ترجمتها، لكن من الصعب وصف هذا المكان بالأكاديمية.
لماذا أذكر الأسماء هذه وأذكر نقدي لها، لأن هذه الأسماء الواردة قد تكون أسماء المؤسسات التي أعدت التقرير وفضلت كتابة اسم المؤسسة على اسم الأفراد. لكن حتى هذه المؤسسات تعاني من مشاكل منهجية في الاسم والعمل لا يتوقع معه تقديم منتج يمكن الاتكاء عليه لفهم “التأثير الاجتماعي”.
حينما نتدرج في قراءة هذا التقرير فإننا ابتداءً نصطدم بالعنوان “التأثير الاجتماعي” هل لنا أن نفهم ابتداءً مامعنى التأثير الاجتماعي بحسب التقرير حتى نستطيع السير معه، وهذا لم يرد في ثنايا التقرير أو مقدمته. أيضاً يصدمك التقرير بعبارة “الشبكات الاجتماعية السعودية“ ثم يتحدث التقرير عن فيسبوك وتويتر وانستغرام. حسب ما أعرف أن أياً من الشركات السعودية لم تقم بأي صفقة استحواذ على هذه الشبكات حتى تاريخ كتابة التدوينة، الأمر ينطبق على عبارة وفق النشاط المهني التي تبدو دون خطام أو زمام كما سيأتي لاحقاً.
نصدم بكم هائل من المعايير الغامضة التي استخدمت لتوليد الأسماء والأرقام. مثلاً يقول التقرير “لقد استخدمنا في إعداد هذا التقرير معايير مبتكرة لرصد دوائر التأثير والمؤثرين على امتداد الشبكات الاجتماعية كاملة وليس اقتصاراً على شبكة دون غيرها” معايير مبتكرة؟ جميل .. هل لنا معرفة هذه المعايير حتى نفهم معكم قليلاً؟ “على امتداد الشبكات الاجتماعية” ما أعرفه ان تعداد الشبكات الاجتماعي عصي على العد، حينما يستطيع أحدهم عد صفحات الانترنت، سيكون سهلاً تعداد الشبكات الاجتماعية. هنا نطلب تعداد الشبكات فقط دون رصد دوائر التأثير، فهي مهمة قد تفيد العالم أجمع وليس السعودية فحسب. من المهم جداً تأطير هذه الشبكات وتحديد هذه الشبكات بالضبط. يوحي التقرير أن القارئ يبدو عارفاً بكل الشبكات الاجتماعية، ولذلك لا يذكر التقرير سوى أنه رصدها جميعاً!
يقول التقرير إن بعض المعايير هي “الانتشار والوصول وقوة المحتوى وحجم التفاعل ومقدار الانجذاب، وعمر الظهور، وأكثر من ٢٠ معياراً آخر” هذه المعايير فضفاضة بقدر عبارة “امتداد الشبكات الاجتماعية” مثل هذه المعايير تحتاج لتعريف قد يتفق أو يختلف معه، لكن نحتاج في النهاية أن نصل لتعريف إجرائي نقيم من خلاله هذه العمليات الحسابية. من المدهش أيضاً في المقدمة القول “كما أن للنظام قدرة على التنبوء بالتأثير الاجتماعي التاريخي للشخص على أرض الواقع من خلال حسابات التواصل الاجتماعي” تبدو هذه العبارة عصية على التصديق حتى لكاتبها الذي ألحقها بعلامة تعجب. ليس ذلك فحسب، بل تقول العبارة “كما أن للنظام” لا أحد يعرف ما هو هذا النظام الذي يشار إليه على افتراض أن القارئ يعرفه.
بعد المقدمة يصدم التقرير من يطلع عليه برقم عدد التفاعلات الاجتماعية المباشرة التي تضمنها هذا التقرير، والحقيقة أن هذا الرقم من الطول بمكان حتى أنني عادة استعين بمواقع قراءة الأرقام لقراءة مثله. لكن بعد بدء الدكتوراه في حقل الدراسات الإنسانية في الانترنت، تبدو مثل هذه الأرقام عادية جداً خصوصاً ضمن مفهوم البيانات الضخمة “Big data”.
من المهم التأكيد على أن هذا الحجم الضخم لا يضفي بالضرورة مصداقية على الأرقام المنتجة في التقرير. فهذا الرقم يتكرر أكبر منه في دراسات الانترنت، فالأولى من هذا الرقم هو ضبط المعايير والمنهجية التي تبدو غامضة في الرقم التالي وهو ١٥٠٠ الذي يقول التقرير إنه العدد التقريبي للشخصيات المؤثرة وفق المسح. كيف تم اختيار ١٥٠٠. فقط وليس ٢٠٠٠ أو ١٩٩٩. أم أن النظام الذي أشير إليه مرة واحدة هو من قرر ذلك؟
فوضى التقرير لا تتوقف عند غموض المعايير وغياب المنهجية، بل تنحدر إلى التصنيفات الفضفاضة التي يمكن أن تدخل جميعاً في تصنيف واحد ويمكن أن تنقسم إلى عشرات الأقسام. يقسم التقرير المؤثرين إلى أقسام رئيسة، الأول الأفراد والثاني القطاع الخاص، . تأخذك الدهشة بعيداً حينما تعرف أن تصنيف الأفراد يقسم إلى القائمة العامة، دائرة الإعلام والصحافة، ودائرة التمثيل والمسرح،ودائرة الإنشاد، ودائرة الإعلام الجديد، ودائرة الشعر، ودائرة الدعوة والفقه، إضافة إلى دائرة الكتابة والتدوين، ودائرة الرياضة والإعلام الرياضي، ودائرة ريادة الأعمال، ودائرة النشاط المجتمعي والإنساني، ثم دائرة التثقيف والإلهام. ثم تأتي الدائرة الأخيرة
خارج دوائر النشاطات، وبعدها أقوى ٥٠ سيدة تأثيراً. وأقوى ٥٠ شخصية شابة تأثيراً.
هذا التصنيف لا يذكرك إلا بقصة الطفل الذي ذهب إليه أبيه مبشراً بحصوله على الترتيب الخامس في الفصل. طار الأب من الفرح، لكنه لم يكن يعلم أن عدد الطلاب كان خمسة. يود التقرير منح كل هؤلاء ألقاباً جميلة في مجتمع مولع بمثلها، لكنه يحاول تنويع هذه الألقاب لضمان رونقها. هذا التصنيف مدهش حد البكاء. تختلط الدوائر بشكل يصعب معه تعداد التداخل. على سبيل المثال لا الحصر، هناك تصنيف للإعلام والصحافة وتصنيف للإعلام الجديد، وتصنيف للتدوين والكتابة. الأمر كذلك ينطبق على وضع تصنيف للشباب وتصنيف للسيدات، وكيف يتداخل مع الدوائر الأخرى. تتكرر الأسماء في أكثر من تصنيف، وربما يمنح ذلك صاحبها فرصة للافتخار على طريقة أنا عندي أربع ألقاب وأنت لقب واحد فقط. من الملاحظ أيضاً أن هذه الدوائر لا تنضبط برقم، هناك أقوى ٢٠ وأقوى ١٠ وأقوى ٥٠ وأقوى ٤٠. هل هناك سبب لهذا؟ لا نعلم.
عند انتهائك من قسم الأفراد الأول الذي يقول إنه مسح جميع الشبكات الاجتماعية، فإنك ستعرف أن التقرير انصب على تويتر فقط، لكنه مصر على أنه مسح الشبكات الاجتماعية. وفي ذات القسم، فإن الرسوم البيانية الملونة الأربعة، تبدو كحديث مسؤول أعرفه، يبهرك بحديثه وتخرج منه صفر اليدين مردداً قول الأول كأننا والماء من حولنا.. قوم جلوس حولهم ماء. مثلاً في الرسم البياني الذي يحاول تبيين قوة كل دائرة مقارنة بكتلتها، يحاول كتاب التقرير “المهرة” شرح الرسم بالقول عندما ترتفع الدائرة فهذا يعني أن حجم التأثير عال، وعندما تتجه الدائرة لليمين فهذا يعني أن عدد المؤثرين عال. حينما قرأت الشرح، تذكرت تلك العجوز الذي انتشر لها مقطع صوتي وهي تقول على سبيل التجمل مع المتحدث “إيه .. ماشاء الله”. مثال آخر في الرسم الذي يقول إنه يشرح قوة تأثير كل دائرة مقارنة بعدد تغريداتها على تويتر، ثمة أرقام أفقية وعامودية، إضافة إلى عبارة “معدل التأثير” بجانب الأرقام العمودية، وعبارة معدل “التغريدات” بجانب الأرقام الأفقية. حين تطالع هذا الرسم فلن تجد شيئاً يقول لك عن معنى الأرقام التي تتوقف عند ١٨ وليس ٢٠ أو ١٩ مثلاً! لن تجد أيضاً شرحاً لهذا الرسم بأية طريقة.
وحتى لا أطيل، فلن أتحدث عن الجزء الثاني المتعلق بالقطاع الخاص، لأنه مشكلاته لا تختلف عن مشكلة الأفراد، لكنه أضاف مشكوراً انستغرام، وفيس بوك، ويوتيوب، وجوجل بلس.

من المهم الإشارة في نهاية التدوينة إلى أنني أرجو أن لا يتوجه هذا الانتقاد إلى مؤسسات أو أفراد محددين. لكني أردت أن أسلط الضوء على مشكلة بدأت تتناسل مؤخراً مع ظهور برامج تحليل الشبكات الاجتماعية. فهذه البرنامج قد سهلت كثيراً تحويل الأرقام إلى رسوم مدهشة، ومعلومات جميلة. وقدمت لنا عشرات من المتخصصين في الإعلام الجديد الذي لا تعدو وظيفتهم عن تشغيل برنامج حاسوبي. لهذه السهولة ضريبتها، إذ باتت الأنشطة الاتصالية على الانترنت سلعة إعلامية وتسويقية يتنافس عليها الجميع لإسباغ مظهر علمي على قراءة النشاط الاتصالي في الشبكات الاجتماعية. المتعاملون مع هذه البيانات بشكل كمي سطحي يسيئون إلى العلم كثيراً وإلى المعلومات المستخرجة، فالظواهر الاجتماعية في رأيي ليس مجرد أرقام، كما أن هذه الأرقام لا ينبغي أن تطلق دون قيد أو ربط. هذه الأرقام بحاجة إلى أطر ومحددات تنطلق من نقطة لتصل إلى نقطة، وتحاول أن تشرح النقطة التي يوصل إليها، للخروج بفهم أعمق لظاهرة التفاعلات الإنسانية مع الانترنت. لن يكون هذا التقرير الأخير، فسنظل نتلقى كل يوم تقارير براقة تمنحنا فهم زائفاً لظواهرنا الاجتماعية، ويسوق لها عدد من الذين ظهرت أسماؤهم، وهو ما سيصب في النهاية في مصلحة منتج التقرير،أو ما يسمى أحيانا بالدراسة، للحصول على مزيد من العملاء، إذ يتوقع أنه سيجد على الأقل ١٥٠٠ إشادة بعدد من أشاد بهم. فشركات الانترنت تدرك جيداً أن التسويق بتقديم معلومة مثيرة، هو تسويق من نوع راق يجذب جميع الناس، ويسوق للشركة باعتبارها متخصصة في دراسات الانترنت، دون أدنى اعتبار لمصلحة العلوم الإنسانية.