أيام في معهد الانترنت بجامعة أكسفورد

حينما أخبرت مشرفي في الجامعة عن نيتي في أن أقدم أوراقي لدراسة البرنامج الصيفي لطلبة الدكتوراه في معهد الانترنت في جامعة أكسفورد، بارك هذه الخطوة مبدياً بروداً انجليزيا معتاداً. كتب لي توصية بذلك وأردف قائلاً أتمنى لك القبول، لكني أرجو أن لاتبتئس حينما تفوتك الفرصة، لقد درسّت هناك بضعة أعوام وأعرف أن عدد المتقدمين سنوياً يتجاوز الألف، لكن قدرة المعهد محدودة بثلاثين طالباً، ونصحني أن أشير في سيرتي الذاتية إلى خبرات أخرى غير الدراسية، مثل العمل في الجامعات والمؤسسات الصحفية.

IMG_5394

حديث المشرف وضع بعداً آخر لقيمة البرنامج. فالمنافسة على المقعد تعني أن شيئاً ثميناً قد يختبئ هناك. صباح جمعة في شهر أبريل جاءني رد الجامعة يهنئني بالقبول بعد فرز المتقدمين في عملية استغرقت قرابة الشهرين. أخبرت والدي حينها ومشرفي في الجامعة كما أخبرت جامعتي الأم، وبدأت بعدها الإعداد للبرنامج. كان من المهم أن أنجز كل مايمكن إنجازه في البحث حتى أحظى بملاحظات أكثر على عملي البحثي.

في يوم الأحد السادس من جولاي أخذت مفتاح غرفتي في سكن الطلاب في مبنى كيبل كولج الذي يعد حديث البناء نسبياً، إذ أن بناءه تم في ١٨٧٠م، وهو عمر قصير مقارنة بمباني جامعة أكسفورد.

في مبنى عتيق يعود تاريخ بناءه إلى ١٢٦٣م درس فيه مشاهير كثر من أمثال آدم سميث وغيره، أخذ المعهد حيزاً صغيراً ليحاول إعادة رسم العلوم الإنسانية في عصر الانترنت. لم يكن المبنى مبهراً في بناءه ولا واسعاً في ممراته وغرفه. من الصعب جداً في المعهد أن يسير اثنان في ممر واحد لصغر المبنى. أكبر غرف المعهد بالكاد تكفي ٣٥ شخصاً.

قاعة الإفطار في السكن الجامعي

قاعة الإفطار في السكن الجامعي

بدأ الطلاب التوافد على القاعة، يعرفون بأسمائهم وجامعاتهم، وبإيجاز عن تخصصاتهم الدقيقة. كان صادماً اجتماع النقائض في التخصصات، ومدهشاً تنوع المناهج البحثية. الرابط الوحيد هو الانترنت. بدأت المشرفة على البرنامج الحديث عن فكرة البرنامج في عامه العاشر، وماذا يتوقع المعهد من الطلاب وماذا يتوقع الطلاب من المعهد.

يهدف البرنامج الذي يبدأ يومياً من التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساء، إلى جمع طلاب الدكتوراه في الدراسات البينية المتعلقة بالانترنت من مناطق مختلفة في العالم. مدة البرنامج لا تتجاوز أسبوعين عادة. لكن المادة العلمية والأنشطة المصاحبة تعتبر مكثفة جداً. خلال أسبوعين فقط يكون الطالب قد تلقى أكثر من ٥٠ مادة علمية تتراوح مدة المحاضرة فيها مابين نصف ساعة إلى ساعتين. على كل طالب أن يقدم بحثه لطاقم المعهد وطلابه في محاضرة مدتها ٤٠ دقيقة، يعرض فيها ما أنجزه وما يود إنجازه، كما يعرض فيها مشكلاته. في نهاية المحاضرة يتلقى الطلاب الملاحظات والاقتراحات حول بحثه وطرق تطويره. إضافة إلى ذلك المعهد يستضيف يومياً محاضرتين أو ثلاث في تخصصات متعلقة بالانترنت. رغم أن بعضها صعب الفهم إما لدقة الموضوع أو لبعده عن مجال الطالب البحثي، إلا أن المدهش فيها اختصارها مدة الاطلاع على الموضوعات ذات العلاقة بالانترنت في فترة وجيزة. يتيح المعهد أيضاً لطلاب الدكتوراه فرصة اللقاءات الخاصة بأي من الباحثين في المعهد لعرض أي قضية بحثها وأخذ الآراء حولها من مختصين. في الجانب الاجتماعي يحرص المعهد على دمج الطلاب في أنشطة مسائية وفي نهاية الأسبوع. هذه الأنشطة كانت فرصة سانحة للاستفادة من تجارب الطلاب أيضاً. وجبات الغداء والعشاء كان مشوبة برائحة البحث وطعم الانترنت. تتخلل هذه اللقاءات مناقشة أفكار بحثية مشتركة في المستقبل أيضا.

نشاط المعهد الصيفي، واحد من أنشطة عدة يقدمها المعهد، الأهم في هذه التدوينة الحديث عن المعهد وتاريخه وهدفه. فتطور الانترنت ودخوله في نواح مختلفة من الحياة جعل من الصعب حصر دراسته في أقسام الإعلام أو أقسام المكتبات والمعلومات، فضلاً عن دراسته بشكل تقني بحت في أقسام الحاسب والشبكات. أنشئ المعهد عام ٢٠٠١ ضمن جامعة أكسفورد، لدراسة الآثار الاجتماعية للانترنت في سياقات وخلفيات علمية مختلفة. حصل المعهد في بداية إنشاءه على منح مالية قدرت بخمسة عشر مليون جنيه استرليني، ولا يزال المعهد يتلقى هبات مختلفة وتعاقدات كثيرة مع جامعات ومؤسسات بحثية حول العالم ليس منها أي جهة عربية أو إسلامية. محاولة فهم الانترنت من جانب علمي واحد قد لا يمنحنا فهماً أعمق للظواهر الاجتماعية التي تتطور بالتفاعل مع الانترنت، لذا فإن المعهد كما غيره من معاهد أخرى حول العالم، تسعى لجلب الباحثين في تخصصات علمية مختلفة، وبعد ذلك صهرهم في بيئة علمية مشتركة لدراسة موضوعات ذات علاقة بالانترنت.

IMG_5446

 تقابل في المعهد باحثين في الاقتصاد والسياسة والجغرافيا والصحة والتاريخ والقانون والإعلام والفنون، كما تلتقي بباحثين في اللاهوت والأدب والفيزياء والكيمياء والحاسب. يبحث المركز في موضوعات مختلفة مثل موضوعات الجنوسة، وجغرافيا الانترنت وكيفية مرورها بين الدول وماذا يعني ذلك. إضافة إلى ذلك يدرس موضوعات في علاقة اللغات ببعضها واستخداماتها في الانترنت، والثقافة ودلالاتها وتطوراتها في محتوى الانترنت.إضافة إلى موضوعات متعلقة بالسياسة في الانترنت والمشاركة السياسية والجماهيرية في صناعة السياسة. هناك موضوعات أكثر غرابة يشترك فيها تخصصات مختلفة للوصول إلى فهم لظواهر معقدة مثل مشاركة باحثين في الفنون واللغات والمتاحف لدراسة المتاحف ضمن مشروعات عديدة تحت مسمى متاحف بدون جدران، وكيف يمكن أن ينعكس ذلك على علاقة الجمهور بالفهم، إضافة تتبع فهم الناس للمدارس الفنية وعلاقة ذلك بالتعبير عبر الانترنت. من المدهش أيضاً اختلاط مدارس بحثية متنوعة ونظريات تصل إلى حد التضاد وتوظيفها في مشروعات موحدة لفهم ظواهر مختلفة. يختصر أحد أساتذة المعهد ذلك بقوله لا أمانع أن أعمل مع أي باحث من أية خلفية وبأية أداة بحثية طالماً أننا نستطيع نصل لفهم مقنع للظواهر الاجتماعية. صفحة المشروعات البحثية للمعهد تفيض بموضوعات ثرية تشرح انعكاسات دخول الانترنت في حياتنا، كما توضح كيف يمكن أن تبعث الحياة في مشروعات بحثية لا تتوقف عن متابعة الظواهر الاجتماعية وتحليلها، مستفيدة من التقنيات في التحليل والملاحظة والشرح.