هل لدراسة تخصص الإعلام مستقبل؟

يتصل بك محبطاً يسألك وقد قرر ابنه ترك قبوله في تخصص المحاسبة ليتجه إلى الإعلام، أو تخصص القانون إلى الإعلام، هل ترى أن لشهادة الإعلام مستقبل؟ 

أعتبر نفسي مؤهلاً للإجابة عن هذا السؤال لعملي في هذا المجال أكاديمياً وممارسة. من المهم الإشارة أولاً إلى أن عدم وجود وظائف في لخريجي التخصص لا يعني بالضرورة مشكلة في التخصص أو تقليلاً من شأنه. من الخطأ أن يحاكم التخصص وفقاً لسوق العمل وحده. 

لسنوات ظل الالتحاق في كليات الإعلام في المملكة حصراً على أولئك الذين لم يسعفهم الحظ بدخول تخصص آخر، الأمر الذي أدى ذلك لرداءة في المخرج في كثير من الأحيان. ما جدوى أن تؤهل طالباً دخل التخصص لأنه فقط يريد ألا يبقى خارج أسوار الجامعة!

 مع ثورة الانترنت والاهتمام بالإعلام باتت كليات الإعلام تحظى بطلاب دخلوا التخصص برغبتهم، متصادمين مع أهاليهم ومجتمعهم. أصبح من الممتع أن تحظى بطالب يناقشك في القاعة حتى لا تحير جواباً، وأن تدرس طالباً ينتظر نهاية المحاضرة لأن سيقدم نشرة الأخبار بعد قليل، وآخر يتلمس هاتفه أثناء المحاضرة ليدير حساب شركة ما في الشبكات الاجتماعية. 

حينما يقرر خريج الثانوية أن يدخل الإعلام برغبته، فهذا مؤشر جيد أن الطالب يرغب في شيء، وهذا بحد ذاته أمر عظيم، فالطلاب في هذه المرحلة يبحثون عن تخصص “يضمن” لهم وظيفة دون شغف بالتخصص.

 

حينما يسألني أحدهم عن نصيحتي هل يدخل الإعلام أم لا، فإن الجواب يكون بنعم إذا أخذ الطالب بأربعة أمور: 

١- يجب أن تدرك أن شهادة الإعلام وحدها لا تمنحك وظيفة بحد ذاتها أياً كان تقديرك، كما أن تخصص الإعلام من التخصصات التي يزاحم في وظائفها تخصصات أبعد ما تكون عن الإعلام، نظراً لكفاءة الشخص في الإعلام وليس شهادته. حينما تبحث عن وظيفة في الإعلام لمجرد أنك تحمل شهادة فيه، فتذكر أن في المملكة أكثر من ٦ جامعات تخرج الآلاف سنويا في هذا التخصص، فما يميزك؟ 

٢-  إذا قررت أن تدرس الإعلام فتذكر أن دراسة الإعلام في مرحلة البكالوريوس تعد من أسهل التخصصات، كما أن عدد الساعات ليس كثيراً. هذا لا يعني أن تدرس وتحصل على معدل عال فقط. عليك أن تبدأ في اليوم الأول من الدراسة في البحث عن أنشطة إعلامية أو أنشطة علاقات عامة تشترك فيها سواء على أرض الواقع أو في الانترنت، ولو كان ذلك دون مقابل. الممارسة أخت التخصص ومطلب مهم. بعد ٤ سنوات سيبحث الناس عنك لتوظيفك ولن تبحث عن وظيفة بإذن الله.

٣-  يجب أن تدرك أيضاً أن ابتعادك عن القراءة هو ابتعاد عن الوظيفة والتميز في مجال الإعلام. لن تحتاج إلى وقت طويل حتى تتعلم كتابة الخبر، أو تحرير مقطع مرئي، أو حتى تنظيم فعالية. لكنك لن تستطيع أن تفعل ذلك بتميز إذا لم تكن تحمل ثقافة واسعة في جميع المجالات. الإعلام ليس تواصلاً فقط، الإعلام ثقافة. مشكلة تخصص الإعلام أنك قد تحصل على شهادته بسهولة لكن ضعف ثقافتك سيجعل منك غير مختص في نهاية الأمر، فحتى التصوير يحتاج إلى ثقافة واطلاع.

٤- لغتك العربية نقطة قوة، وستكون نقطة ضعف إذا أهملتها. ربما يستغرب أن يتحدث أحدهم عن ضرورة تقوية اللغة العربية، في حين أن الناس يتحدثون عن تعلم اللغة الانجليزية. في السعودية اللغة العربية هي اللغة السائدة والجمهور الذي تتوجه إليه هو جمهور يتحدث العربية. ضعفك في اللغة يعني عدم قدرتك على إيصال الرسالة. يحتاج الإعلامي إلى مفردات أكثر تساعده في إيصال الفكرة، وإملاء كذلك. أكره أن أطلب من أحدهم دراسة النحو حتى يطور لغته. الإبحار في كتب الجاحظ مثلاً يغني كثيراً عن النحو.

 

يمكن ملاحظة أن هذه النقاط الأربع لا تتعلق بالشهادة، وإنما تتعلق ببناء الشخصية في سنوات الدراسة خارج أسوار الجامعة. لاتزال فرص الإعلام والعلاقات العامة كثيرة في نظري، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، أو حتى لبداية مشروع تجاري. لكن المشكلة في ندرة الكفاءات الذين يمكن أن يعتمد عليهم.