في حكاية “التعريب”

لوحات مليئة بالعجمة، وكلمات أجنبية نلوكها ليلاً نهاراً، وكلمات “معربة” تبدو كعجوز وقورة لا تصلح لشيء سوى صدر المجالس، وحفلات بكاء على اللغة، وبيت حافظ الذي كرهنا ترداده، ومجامع لغة تشبه العجوز سالفة الذكر، جميعها “ظواهر” و”مظاهر” تدور في فلك اللغة وحياتها وارتباطها بحياتنا اليومية.
هذه المظاهر والظواهر تعكس إشكالية أساسية في فهم كلمة “التعريب”، ولا تعكس مشكلة المستخدم أو اللغة. فالعربي الذي نزل القرآن الكريم بلغته، وعبر عن مضامين عميقة بلسان عربي مبين، والعربي الذي نشر لغته في أصقاع العالم، واستوعبت لغته كل جديد، لم يتنكر لها ولم يرغب عنها. صحيح أن التعميم خاطئ والهوس بلغات أخرى موجود، لكنه ليس جديداً ولا يمكن إيقاف الناس عن ذلك. 
يفهم أناس كلمة “التعريب” أنها إيجاد مقابل عربي للكلمات الأعجمية. ويحفرون كتب اللغة وآثار العرب للحصول على مقابل عربي ولو كان شاذ النطق غريب الصوت.  يتفتق ذهن بعضهم عن نوع آخر من “التعريب” يصف فيه المخترع الجديد ولا يسُك له اسماً. من القبيح الشائع لذلك “تعريب” scanner بكلمة “الماسح الضوئي”. واطلع على تعريب مجامع اللغة تجد من هذا مالا يمكن لعاقل استخدامه، ولا يشك أحد في تجاهل الناس له. يبحث الناس عن اسم ولو كان دون معنى، ولا يبحثون عن صفة للقادم الجديد من اللغات الأخرى، وهذا في ظني يفسر استخدام بعضهم لأسماء أجنبية أو استخدام قمصان عليها عبارات أجنبية، ولو كانت بالعربية لما استخدمها. 
هذه الطريقة المتكلفة الخاطئة في “التعريب” جنت على اللغة العربية الكثير، وجعلتها تبدو متكلفة صعبة الاستخدام، ولو رجع أولئك لكتب العربية وقواميس اللغة لوجدوا مالا يحصى من تعابير كقول ابن منظور عليه رحمة الله “فارسي معرب” و “أعجمي معرب” و “رومي معرب”، ووضعت هذه الكلمات في كتب العربية كلماتٍ عربية أصيلة، ولم يعب على من استخدمها. بل يذهب أولئك الذين يشكل عليهم مصطلح “التعريب” إلى أبعد من ذلك بادعاء أن القرآن ليس فيه كلمات أعجمية لقوله تعالى “بلسان عربي مبين” وهذه سطحية في فهم الآية، لاعتبارهم أن وجود كلمات ذات أصل أعجمي يعارض العربية الخالصة، ويتكلفون الشواهد لتبرير وجود كلمات غير عربية الأصل مثل دينار واستبرق في القرآن الكريم. 
إن عبقرية اللغة العربية، وكل لغة، لم تكن في سك كلمات جديدة، لأن ذلك نشاط إنساني لا يرتبط بلغة؛ وإنما تظهر عظمة العربية في استيعاب الألفاظ الجديدة وإدخالها في تراكيب اللغة وضمائرها وتوليد أفعال ثلاثية ورباعية وغير ذلك منها. أجزم أن عائق “التعريب” فهم كلمة “التعريب” بالشكل المنتشر، وغياب التعمق في استخدام الكلمات المعربة في كتب السابقين.