حكاية حصان إبليس ورخصته في القصيم

تنويه: فكرة هذه التدوينة وبعض المعلومات الأساسية فيها أمدني بها أخي عبدالمحسن الرشودي المحاضر في قسم التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 

ثمة أحداث تاريخية ينظر إليها بغرابة بالمنظور الاجتماعي والفكري المعاصر، ويتحدث عنها على سبيل التندر والسخرية. بعض الأحداث التاريخية الاجتماعية تبدو كذلك فعلاً، لكن البحث في دوافع ذلك الفعل قد يخفف من نبرة السخرية، وربما يحيلها إلى شيء من الاحترام، لو فهمت الدوافع الحقيقية وراء ذلك الفعل.

إلى الشمال قليلاً من وسط الجزيرة العربية تقع منطقة القصيم. الاطلاع على سبب التسمية وجذر الكلمة في المعاجم العربية يمكن أن يشرح ميزات هذه المنطقة من الناحية الجغرافية. تاريخياً يمكن للخريطة أن تحكي قيمة المكان في التاريخ. رغم أن منطقة القصيم يمكن اعتبارها منطقة داخلية تبتعد عن مناطق الحضارات الإسلامية، إلا أن تاريخها المكتوب ورحلات العقيلات المتأخرة نسبياً يمكن أن تسرد الكثير عن انفتاح المنطقة على حواضر العالم الإسلامي. غير أن الصورة النمطية المتكونة عن منطقة القصيم وربما بريدة تحديداً لمن لا يعرفها، توحي ببيئة منغلقة اجتماعياً، متشددة دينياً، إلى جانب صور أخرى لا ينفك الناس عن تداولها.

من الصعب جداً فصل أي تقنية تصل إلى المجتمع عن اعتباراتها الاجتماعية. إضافة إلى ذلك فإن استخدامات البشر لذات التقنية يختلف باختلاف حاجاتهم، لدرجة أن اختلافات الاستخدام تصل إلى شكل لم يتوقعه المخترع الأصلي. فالتقنية في نهاية المطاف منتج اجتماعي من الصعب فهمه خارج الإطار الاجتماعي. كما أن المجتمعات تختلف داخلياً في النظرة الاجتماعية للمنتج التقني وفقاً لاعتبارات عديدة. يمكن الاطلاع على تفصيل لهذا الموضوع في نظرية (Trevor, Pinch and Wiebe Bijker)  في بحث بعنوان

The Social Construction of Facts and  Artifacts: Or How the Sociology of Science and the Sociology of Technology Might Benefit Each Other

من الطريف أن هذه النظرية بنت نموذجها على الدراجة الهوائية تحديدا، وناقشت فروض النظرية ضمن مثال الدراجة الهوائية واستيعاب المجتمع ورفضه لها وطريقة استخدامه التي أثرت أيضاً على تصنيع المخترع لاحقاً.

إحدى القصص التي يتداولها الناس للتدليل على تشدد المجتمع وانغلاقه ورفضه لما هو جديد، قصة منع ركوب الدراجة الهوائية في بريدة، ووجوب الحصول على إذن من هيئة الأمر بالمعروف للحصول على رخصة لقيادة “حصان إبليس” وهو الاسم المتداول للدراجة الهوائية في العديد من مناطق الجزيرة العربية. يبدو هذا المنطق غريباً جداً في عصرنا الحالي. مضحك أن تكون الدراجة التي نفهم ميكانيكية عملها حصان إبليس، كما أن الحصول على إذن لقيادة دراجة يبدو تافها، فكيف إذا كان صاحب القرار ممن نفهم في وقتنا الحاضر أنه ليس صاحب الشأن في منح رخصة قيادة. قبل أن تقرأ المقطع التالي، سيكون طريفاً لو قرأت شروحات بعض كتاب الصحف لسبب تسمية الدراجة بحصان إبليس، لتفهم جيداً كيف يمكن للصورة النمطية أن تطوع الذهن لتقبل أي شيء لا يتعارض مع الصورة النمطية عن شخص أو مكان.

المصدر: urbana.org

صامويل زويمر

الإشارات التاريخية تفيد أن “حصان إبليس” اسم ابتكره البحرينيون قبل أهل القصيم في نهاية عام ١٨٩٢ عندما أحضر عضو البعثة التبشيرية البروتستانتية صامويل زويمر دراجة هوائية معه إلى البحرين، وكانت ضمن مخترعات عديدة أحضرها معه. قوبل زويمر برفض اجتماعي شديد في البحرين باعتباره داعياً إلى النصرانية، كان يحاول الدفاع عن نفسه بالقول إنه ضيف الله، لكن ضيف الله عند السكان لم يكن ليدعو إلى النصرانية، ولذلك كانو يسمونه بنقيض ذلك وأنه ضيف إبليس. ولأن الدراجة كانت دابته التي يتجول فيها بين المدن والقرى البحرينية داعياً إلى ملته، انسحب البغض على دراجته أيضاً فسميت “خيل إبليس”. رغم بعض الخدمات الطبية والتعليمية التي كانت تقدمها البعثة التبشيرية للمجتمع البحريني إلا أنها ووجهت بالكره أيضاً مع وجود الحاجة إليها. على سبيل المثال يشير رئيس مجلس إدارة جمعية تاريخ وآثار البحرين الدكتور عيسى أمين إلى أن البعثة التبشيرية أدخلت نظام الري الآلي وجلبت لأجل ذلك مضخة هوائية لكنها سقط وتكسرت، وصفق الناس فرحاً بذلك. فعلى الرغم من فائدة نظام الري للسكان إلا أن كرههم للبعثة دفعهم للفرح بتلف ما أحضروه معهم. لاحقاً كثرت الدراجات في البحرين وطلب من ملاكها تسجيلها لدى المرور، وعوملت معاملة السيارات في أنظمة السلامة والمرور، كما هو الحال في الكويت وعمان أيضاً في تواريخ متقاربة. في سياق مقارب تظهر الصور الواردة في مذكرات البعثة التبشيرية البروتستانتية في العراق التي المتخذة من البصرة مقراً لها، صوراً لطلاب المدرسة وهم في جولات دائمة بالدراجات التي كانت تعتبر اختراعاً جديدأً بداية استخدامها في العراق.

المصدر:  www.gosselink.us

طلاب المدرسة التبشيرية في العراق

باستثناء الطبيب بول ارميردينغ، والطبيب الشهير لويس ديم الذي أشار إلى اسمه الشاعر القطري الشهير محمد الفيحاني بقوله: ما يداوي علتي بدواه ديم.. لو يداويها قدر ستين عام، فإن البعثات التبشيرية ولو بشكل متخف، ظلت بعيدة عن القصيم ووسط الجزيرة العربية. لكن سمعة البعثات التي تدعو لدين آخر وصلت إلى شعب القصيم المتدين، حتى وإن لم يكن للسكان احتكاك مباشر معهم.

رحلات العقيلات وارتباط القصيميين بالساحل الشرقي والعراق تجارياً وتعليمياً ساهم في وصول اسم الدراجة كما سماه البحرينيون، ولاحقاً وصول الدراجة إليهم، لكنها وصلت مع سمعتها السيئة. هذا الاسم المخيف مع السبب التقليدي الشائع وهو التخوف من الجديد وضع حاجزاً بين السكان والتقنية الجديدة التي قد تكون مريبة كريبة وصول مشروب الفيمتو إلى بريدة في ذلك الوقت.

خلال بحثي لكتابة هذه التدوينة حاولت الوصول إلى فتوى تحرم صراحة ركوب الدراجة لكني لم أفلح في الوصول إلى أي شيء يتعلق بالتحريم الديني لاستعمال الدراجة في بريدة أو في القصيم، وجل ما وجدت يدلل على التحريم الديني بارتباط الحصول على رخصة قيادة الدراجة بهيئة الأمر بالمعروف أو النواب كما كانو يسمون حينها. ما يجهله أولئك الذين يربطون التحريم بدور الهيئة، أنها في ذلك الوقت لم تكن تختلف عن وظيفة المحتسب في الدول الإسلامية القديمة. ذلك أن وظيفة محتسب السوق أو المحتسب تشمل مهاماً عديدة، منها على سبيل المثال مراقبة المكاييل والموازين، والحفاظ على الطرقات العامة من التعديات، علاوة على المحافظة على الأخلاق العامة. في هذا السياق يمكن فهم كيف أسند التصريح بقيادة الدراجة إلى هيئة الأمر بالمعروف. إضافة إلى ذلك يمكن ملاحظة أن التصريح أسند للهيئة، وهي جهاز يديره المتدينون كما يفهم، بل هو جهاز ديني ابتداءً، ومن غير المعقول أن يقبل هذا الجهاز بإصدار تصريح لشيء يرى حرمته. كما أن أول من حصل على التصريح في بريدة ابن لأحد أعضاء الهيئة الذي يمكنه من منع ابنه من الحصول على التصريح لوجود السلطة الأبوية، والسلطة النظامية في يده، لو كان الأمر محرماً كما يشاع.

سيكون سهلاً عزو منع العديد من المخترعات إلى التشدد الديني والانغلاق الاجتماعي، لكنه لن يكون سبباً وجيهاً في العديد من قضايا التاريخ القريب على الأقل. التعامل مع تلك الحوادث يجب أن يصاحبه فهم للبيئة الاجتماعي والعوامل المؤثرة حولها، للخروج بفهم كاف لتلك الحوادث وانعكاساتها على الأمور التنظيمية حينها وتطورها بعد ذلك لتصل إلى مانعايشه اليوم من قضايا وأحداث ذات صلة بتلك الأحداث القديمة.

قصة تاجر بريطاني يوزع أرباحه على موظفيه*

عبدالله أبا الخيل

مصادفة عثرت على إعلان لمحاضرة عنوانها ويب مارت .. المكان الذي يلتقي فيه كارل ماركس وآدم سميث! سجلت اسمي في قائمة الحضور مباشرة لمجرد ورود اسم كارل ماركس. وبعد ذلك بدأت أفكر في أسباب أخرى تدعوني لحضور هذه المحاضرة. مثل هذه الأسماء التي أسست الفكر الشيوعي باتت نادرة الحضور في عالم رأسمالي. كان العنوان مثيراً أيضاً لورود آدم سميث فكراً مع غريمه ماركس في مشروع اقتصادي بعائد يتجاوز ٤٠ مليون باوند سنوياً! علاوة على ذلك فإن المشروع الناجح متخصص في الطباعة، كما أن من يقدمه سيقدمه باعتباره نموذجاً يستحق النشر في أوساط أصحاب الأعمال، وليس باعتباره قصة نجاح، يجني أصحابها المال بسبب المقابل الذي يحصلون لكثرة سرد لصصهم لا بسبب نجاح تجارتهم!

سايمون بيتكلف مؤسس شركة ويب مارت

سايمون بيتكلف مؤسس شركة ويب مارت

لست أفضل من يشرح فكر سميث أو ماركس، لكن من المهم الإشارة إلى أن الأول صاحب فكرة الاقتصاد الحر الذي تحول بعد ذلك إلى منهج الرأسمالية الذي يؤدي إلى حصر الثروة في أيدي طبقة صغيرة في المجتمع. والأخير صاحب الفكر الماركسي الذي يرى أن العدالة الاجتماعية تغيب في العالم الرأسمالي بسبب وجود طبقة متنفذة تحتكر أغلب الثروة وتحدث سوءً في توزيع الثروة، فالماركسية تسعى ضمن ماتسعى إليه إلى مايسمى بتحرير الطبقة العاملة من الاستغلال الطبقي. 

تخرج سايمون من الجامعة عام ١٩٩٦ وبدأ رحلة البحث عن عمل يعنيه على تحمل أعباء الحياة دون وجود خطة أو مجال محدد يرغب العمل فيه. خلال بحثه عن عمل، لاحظ سايمون أن العديد من المطابع لا تعمل بكامل طاقتها وإنما بمعدل يصل إلى نصف طاقتها فقط، وهو ما اعتبره سايمون نقطة الانطلاق، إذ اتفق حينها مع المطابع التي تعمل بأقل من كامل طاقتها أن يشتري منهم وقت خمول المطابع وتشغله المطابع لصالحه، في حين تكون وظيفته البحث عن عملاء يبحثون عمن يطبع لهم بسعر قال إنه نصف سعر السوق. كان رأسمال سايمون حينها ١٠ الاف باوند

أكمل قراءة المقالة